- 17 يونيو 2026
- / 3683
قرر مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، خلال اجتماعه المنعقد اليوم الأربعاء، الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير، وذلك في أول اجتماع للسياسة النقدية برئاسة كيفن وارش، الذي تولى قيادة البنك المركزي الأميركي مؤخرًا، في خطوة جاءت مصحوبة بإشارات أكثر تشددًا بشأن المسار المستقبلي للفائدة، إلى جانب إطلاق مراجعة واسعة لسياسات وأدوات عمل الاحتياطي الفيدرالي.
وصوت أعضاء لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية بالإجماع، بواقع 12 صوتًا، لصالح تثبيت سعر الفائدة الرئيسي عند نطاق يتراوح بين 3.50% و3.75%، وهو المستوى الذي استقر عنده منذ قرار خفض الفائدة الذي اتخذه البنك المركزي في أواخر عام 2025.
وأكدت اللجنة، في بيانها الصادر عقب الاجتماع، استمرار التزامها بتحقيق استقرار الأسعار وضمان استدامة النمو الاقتصادي، مع تجديد العمل بسياسة الحفاظ على احتياطيات مصرفية وفيرة داخل النظام المالي، كما وجهت مكتب عمليات السوق المفتوحة باتخاذ الإجراءات اللازمة لزيادة حيازات الأوراق المالية عند الحاجة لدعم استقرار الأسواق.
تغيير واضح في نهج الاحتياطي الفيدرالي تحت قيادة كيفن وارش
عكس البيان الصادر عن الاحتياطي الفيدرالي ملامح التغيير في أسلوب إدارة السياسة النقدية مع تولي كيفن وارش رئاسة البنك المركزي، حيث شهد البيان تعديلات جوهرية مقارنة بالبيانات السابقة، تمثلت في حذف جميع الإشارات المتعلقة بالمسار المستقبلي المحتمل لأسعار الفائدة، والاستغناء عن سياسة «التوجيه المسبق» التي اعتمدها الفيدرالي خلال السنوات الماضية لتوجيه توقعات الأسواق.
كما تقلص حجم البيان بشكل ملحوظ ليقتصر على نحو 130 كلمة فقط، مقارنة بنحو 341 كلمة في البيان الصادر عقب اجتماع 29 أبريل الماضي، مع التركيز بصورة أكبر على عرض التطورات الاقتصادية الراهنة دون تقديم إشارات مباشرة بشأن القرارات المقبلة للسياسة النقدية.
وخلال المؤتمر الصحفي الذي أعقب الاجتماع، أوضح وارش أن البيان الجديد أصبح «أقصر وأبسط قليلًا»، مشيرًا إلى أن الاحتياطي الفيدرالي تخلى عن بعض المصطلحات والسياسات القديمة، مضيفًا: «هذا البيان يقدم الحقائق فقط، بأفضل صورة ممكنة».
وأكد رئيس الاحتياطي الفيدرالي أن سياسة التوجيه المسبق لم تعد ملائمة للظروف الاقتصادية والسياسية الحالية، في إشارة إلى رغبة الإدارة الجديدة في منح صناع السياسة النقدية مرونة أكبر في اتخاذ القرارات وفقًا للبيانات الاقتصادية المستجدة.
توقعات أكثر تشددًا لمسار أسعار الفائدة
كشفت التوقعات الفصلية المحدثة للاحتياطي الفيدرالي عن تحول ملحوظ نحو تبني موقف أكثر تشددًا فيما يتعلق بأسعار الفائدة خلال السنوات المقبلة، حيث بات 9 من مسؤولي البنك المركزي يتوقعون رفع أسعار الفائدة بحلول نهاية عام 2026.
كما أظهرت التوقعات الجديدة ارتفاع متوسط سعر الفائدة المتوقع إلى 3.8% بنهاية عام 2026، مقارنة بنحو 3.4% في التقديرات السابقة، في حين أشارت التوقعات إلى وصول الفائدة إلى 3.6% خلال عام 2027، و3.4% بحلول عام 2028.
وأدت هذه التوقعات إلى تعزيز رهانات المستثمرين في الأسواق المالية على إمكانية إقدام الاحتياطي الفيدرالي على رفع أسعار الفائدة خلال اجتماع سبتمبر المقبل، بدلًا من الإبقاء عليها دون تغيير لفترة أطول.
التضخم لا يزال بعيدًا عن مستهدف 2%
شدد كيفن وارش على أن إعادة التضخم إلى المستوى المستهدف البالغ 2% تمثل الأولوية الرئيسية للاحتياطي الفيدرالي خلال المرحلة المقبلة، مؤكدًا أن البنك المركزي لم ينجح في تحقيق هذا الهدف بشكل مستدام طوال السنوات الخمس الماضية.
وقال وارش خلال المؤتمر الصحفي: «الالتزام بتحقيق الاستقرار قوي، وبإجماع كامل، وواضح، وهذه رسالة ربما غابت عنا طوال خمس سنوات، وسنعمل على إصلاح ذلك».
وأضاف: «هدف التضخم طويل الأجل للاحتياطي الفيدرالي هو 2%، الرقم 2 على يسار الفاصلة العشرية والرقم صفر على يمينها»، مؤكدًا أنه لا يرى أي مبرر لمناقشة تعديل هذا الهدف قبل أن يثبت البنك المركزي قدرته على تحقيقه فعليًا والمحافظة عليه.
مراجعة صعودية لتوقعات التضخم الأميركي
أظهرت التقديرات الاقتصادية الجديدة الصادرة عن الاحتياطي الفيدرالي رفع توقعاته لمعدل تضخم نفقات الاستهلاك الشخصي (PCE) إلى 3.6% بنهاية عام 2026، مقارنة بـ2.7% في التقديرات الصادرة خلال شهر مارس الماضي.
كما رفع البنك المركزي توقعاته للتضخم الأساسي إلى 3.3% مقابل 2.7% في التوقعات السابقة، وهو ما يعكس استمرار الضغوط التضخمية داخل الاقتصاد الأميركي.
وأشار مسؤولو الفيدرالي إلى أن جزءًا من ارتفاع معدلات التضخم يعود إلى صدمات جانب المعروض، فضلًا عن استمرار ارتفاع الأسعار في عدد من القطاعات الاقتصادية، وعلى رأسها قطاع الطاقة.
وتتوافق هذه التقديرات مع أحدث البيانات الاقتصادية، التي أظهرت ارتفاع مؤشر أسعار المستهلكين خلال شهر مايو بنسبة 4.2% على أساس سنوي، فيما سجل مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي ارتفاعًا سنويًا بلغ 3.8% خلال أبريل، وهي مستويات لا تزال أعلى بكثير من المستهدف الرسمي للاحتياطي الفيدرالي.
خفض توقعات النمو وتحسن محدود في سوق العمل
في المقابل، خفض الاحتياطي الفيدرالي توقعاته لنمو الناتج المحلي الإجمالي الأميركي خلال عام 2026 إلى 2.2%، مقارنة بـ2.4% في تقديرات مارس الماضي، مع الإبقاء على تقديرات النمو طويلة الأجل عند مستوى 2%.
وعلى صعيد سوق العمل، تحسنت التوقعات بشكل طفيف، حيث يتوقع البنك المركزي أن يبلغ معدل البطالة 4.3% بنهاية عام 2026، مقارنة بتوقعات سابقة عند مستوى 4.4%.
وأشار بيان الاحتياطي الفيدرالي إلى أن وتيرة نمو الوظائف ما زالت تتماشى مع نمو القوى العاملة، في حين لم يشهد معدل البطالة تغيرات جوهرية خلال الفترة الأخيرة.
وأكد وارش أن الاقتصاد الأميركي يواصل التوسع بوتيرة قوية، رغم تصاعد مستويات عدم اليقين المرتبطة بالتوترات الجيوسياسية والصراع الدائر في الشرق الأوسط، مشيرًا إلى استمرار متانة الإنتاجية والاستثمارات الرأسمالية داخل الاقتصاد.
خمس فرق عمل لإعادة تقييم سياسات الاحتياطي الفيدرالي
وفي خطوة تعكس توجهًا جديدًا داخل البنك المركزي الأميركي، أعلن كيفن وارش عن تشكيل خمس فرق عمل مستقلة لمراجعة عدد من الملفات الرئيسية المرتبطة بعمل الاحتياطي الفيدرالي.
وأوضح أن فرق العمل ستتولى مراجعة سياسات التواصل مع الأسواق المالية، وهيكل الميزانية العمومية للبنك المركزي، ومصادر البيانات الاقتصادية المستخدمة في صنع القرار، فضلًا عن دراسة تطورات الإنتاجية وسوق العمل في ظل التحولات الاقتصادية والتكنولوجية، بالإضافة إلى إعادة تقييم أطر وسياسات استهداف التضخم.
وأشار وارش إلى أنه يعمل على استقطاب مجموعة من الخبراء والأكاديميين من داخل وخارج مهنة الاقتصاد للمشاركة في هذه المراجعات، على أن تحصل فرق العمل على دعم مباشر من موظفي الاحتياطي الفيدرالي.
«الخلاف العائلي» وسيلة لتحسين جودة القرارات
وأكد رئيس الاحتياطي الفيدرالي أنه يشجع ما وصفه بـ«الخلاف العائلي» داخل المؤسسة، معتبرًا أن وجود اختلافات في الرؤى بين المسؤولين يسهم في تحسين جودة المناقشات ورفع كفاءة عملية صنع القرار.
وقال: «يمكن أن نتفق على بعض التوصيات ونختلف حول أخرى، ونخوض خلافًا عائليًا جيدًا بشأنها، لكن ما سينتج عن ذلك سيجعل النقاش الداخلي أكثر قوة وعمقًا وجدلية، بما يساعدنا في النهاية على تحقيق هدف الاستقرار السعري».
وأوضح أن الهدف من هذه المناقشات يتمثل في ضمان تمثيل مختلف وجهات النظر الاقتصادية، بما يعزز من جودة القرارات النهائية المتعلقة بالسياسة النقدية.
جدول زمني للمراجعات الجديدة
وأشار وارش إلى أن فرق العمل الخمس ستبدأ مهامها خلال الأسبوعين المقبلين، على أن تظهر النتائج الأولية لهذه المراجعات خلال فصل الخريف، مع استهداف الانتهاء من الجزء الأكبر من أعمال المراجعة، وربما جميعها، قبل نهاية العام الجاري.
كما أكد أن الاحتياطي الفيدرالي سيجري مراجعة شاملة لتركيبة ميزانيته العمومية ومصادر البيانات الاقتصادية المستخدمة في التحليل واتخاذ القرارات، بهدف رفع جودة المعلومات التي تستند إليها السياسة النقدية.
الأسواق تتفاعل مع قرار الفيدرالي
وعقب إعلان قرار تثبيت أسعار الفائدة ونشر التوقعات الاقتصادية الجديدة، ارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية، في حين سجلت الأسهم الأميركية تراجعًا طفيفًا، بينما واصل الدولار الأميركي مكاسبه أمام سلة العملات الرئيسية.
كما عززت أسواق العقود الآجلة رهاناتها على احتمال رفع أسعار الفائدة خلال الأشهر المقبلة، مدفوعة بارتفاع توقعات التضخم والتوجه الأكثر تشددًا الذي أظهره أول اجتماع للاحتياطي الفيدرالي بقيادة كيفن وارش.