- 16 مايو 2026
- / 3290
المهندس سعيد إمبابي :
الفجوة السعرية تحولت من سالبة إلى موجبة بقيمة 111 جنيهًا مع زيادة الطلب المحلي
التضخم الأمريكي وعوائد السندات أطاحا بدعم الملاذ الآمن للذهب
استقرار الدولار قرب 53 جنيهًا حدّ من خسائر الذهب محليًا
السوق المصرية تعيد اكتشاف مستويات دعم جديدة بعد موجة الهبوط الأخيرة
شهدت أسعار الذهب في مصر تراجعًا ملحوظًا خلال تعاملات الأسبوع الممتد من 9 إلى 16 مايو 2026، متأثرة بالهبوط الحاد في أسعار الذهب عالميًا، وسط ضغوط اقتصادية متزايدة فرضتها بيانات التضخم الأمريكية، وارتفاع عوائد سندات الخزانة الأمريكية، إلى جانب استمرار توجه الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي نحو سياسة نقدية متشددة. وأسفر ذلك عن انخفاض سعر جرام الذهب عيار 21، الأكثر تداولًا في السوق المصرية، بنسبة بلغت 2%، فاقدًا نحو 140 جنيهًا خلال أسبوع واحد، بحسب تقرير صادر عن منصة “آي صاغة” المتخصصة في تداول الذهب والمجوهرات عبر الإنترنت.
وسجل سعر جرام الذهب عيار 24 في السوق المحلية نحو 7840 جنيهًا، بينما بلغ سعر جرام الذهب عيار 18 حوالي 5775 جنيهًا، وسجل الجنيه الذهب مستوى 54920 جنيهًا، في حين تراجعت الأوقية عالميًا إلى مستوى 4540.9 دولار، مقارنة بمستوى 4735.67 دولار خلال تعاملات 11 مايو، لتخسر ما يقرب من 4.2% من قيمتها خلال أيام معدودة، في واحدة من أكثر موجات الهبوط حدة خلال الفترة الأخيرة.
وقال المهندس سعيد إمبابي، المدير التنفيذي لمنصة آي صاغة، إن أداء الذهب خلال الأسبوع الماضي عكس تحولًا مهمًا في المشهد الاقتصادي العالمي، مؤكدًا أن ما شهدته الأسواق لم يكن مجرد تصحيح سعري مؤقت أو حركة فنية اعتيادية، بل جاء نتيجة إعادة تقييم شاملة للعوامل الاقتصادية المؤثرة في تسعير الذهب عالميًا، خاصة مع استمرار التداعيات الاقتصادية والجيوسياسية للحرب في الشرق الأوسط، وتصاعد الضغوط التضخمية على مستوى العالم.
وأوضح إمبابي أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية، التي اندلعت خلال فبراير 2026 واستمرت قرابة 40 يومًا قبل الإعلان عن هدنة مؤقتة في 8 أبريل، خلّفت آثارًا اقتصادية واضحة، خاصة في قطاع الطاقة، حيث ساهمت الاضطرابات في ارتفاع الأسعار العالمية للنفط والطاقة، ما أدى إلى تعزيز الضغوط التضخمية، ودفع الأسواق لإعادة النظر في توقعاتها تجاه مسار السياسة النقدية الأمريكية، لتصبح أكثر ميلًا لاستمرار التشدد النقدي لفترة أطول.
وأضاف أن الذهب فقد جزءًا كبيرًا من قوته التقليدية كملاذ آمن، في ظل تحوّل تركيز المستثمرين من المخاطر الجيوسياسية إلى مخاطر التضخم وارتفاع أسعار الفائدة، موضحًا أن تصريحات مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي الأخيرة دعمت توقعات الإبقاء على الفائدة المرتفعة لفترة أطول من المتوقع، الأمر الذي مارس ضغوطًا قوية على أسعار الذهب عالميًا، باعتباره أصلًا لا يحقق عائدًا مباشرًا للمستثمرين.
وأشار إمبابي إلى أن معدل التضخم الأمريكي ارتفع خلال أبريل 2026 إلى 3.8% على أساس سنوي، مقارنة بـ3.3% خلال مارس، مدفوعًا بشكل أساسي بارتفاع أسعار الطاقة بنسبة بلغت 17.9%، وهو ما انعكس مباشرة على أسواق المال، ودفع عوائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات إلى الصعود نحو مستوى 4.38%، الأمر الذي زاد من تكلفة الفرصة البديلة للاستثمار في الذهب، وساهم في زيادة الضغوط البيعية على المعدن النفيس.
كما أوضح أن اعتراض ثلاثة أعضاء داخل مجلس الاحتياطي الفيدرالي على صياغة بيان السياسة النقدية الأخير، بحجة عدم إبرازه لمخاطر التضخم بصورة كافية، عزز من توقعات استمرار التشدد النقدي، وهو ما تسبب في موجة بيع قوية للذهب في الأسواق العالمية.
وأكد إمبابي أن الأوقية العالمية واصلت خسائرها للجلسة الرابعة على التوالي، متراجعة بنحو 3.3% منذ بداية الأسبوع، بعدما انخفضت من مستوى 4735.67 دولار في 11 مايو إلى نحو 4540.9 دولار في 15 مايو، وهو أدنى مستوى تسجله منذ 6 مايو، ما يعكس حجم الضغوط البيعية التي تعرض لها المعدن النفيس خلال الفترة الأخيرة.
استقرار الدولار يحد من خسائر الذهب في مصر
وأوضح إمبابي أن السوق المحلية تأثرت بصورة مباشرة بتراجع الأسعار العالمية، إلا أن استقرار سعر صرف الدولار مقابل الجنيه المصري بالقرب من مستوى 53 جنيهًا ساهم في الحد من خسائر الذهب داخل السوق المصرية، مقارنة بحجم التراجع العالمي.
وأضاف أن الدولار سجل يوم 12 مايو نحو 53.01 جنيه للشراء و53.11 جنيه للبيع، بينما بلغ في نهاية الأسبوع نحو 52.84 جنيه للشراء و52.97 جنيه للبيع، مشيرًا إلى أن التحركات المحدودة في سعر الصرف ساعدت في تقليل حدة تقلبات أسعار الذهب المحلية، رغم الانخفاض الحاد الذي شهدته الأوقية عالميًا.
ولفت إلى أن ارتفاع الدولار، حتى وإن كان محدودًا، يؤدي عادة إلى زيادة تكلفة شراء الذهب محليًا، إلا أن هذا التأثير ظل ضعيفًا نسبيًا أمام الانخفاض القوي في الأسعار العالمية للأوقية.
الفجوة السعرية تكشف تغيرات العرض والطلب
وفيما يتعلق بالفجوة السعرية بين السعر المحلي والسعر العادل للذهب، أكد إمبابي أن السوق شهدت تحولات واضحة خلال الأسبوع، حيث سجلت الأسعار المحلية فجوة سالبة بنحو 30.19 جنيه يوم 11 مايو، ما يعني أن الذهب كان يُتداول محليًا بأقل من السعر العادل المحسوب وفقًا للأسعار العالمية وسعر صرف الدولار.
وأضاف أن هذه الفجوة بدأت تتحول تدريجيًا إلى موجبة، لتصل إلى نحو 110.95 جنيه يوم 15 مايو، بما يعادل نحو 1.64%، وهو ما يعكس تغيرًا في سلوك السوق المحلية، وزيادة الضغوط الشرائية مع استمرار تراجع الأسعار.
وأوضح أن انخفاض الأسعار في بداية الأسبوع شجّع العديد من المستهلكين والمستثمرين على الشراء، وهو ما أدى لاحقًا إلى ارتفاع نسبي للأسعار المحلية مقارنة بالمعادل العالمي، في ظل زيادة الطلب المحلي.
ثلاث مراحل رئيسية لحركة الذهب خلال الأسبوع
وأشار إمبابي إلى أن حركة الذهب في مصر مرت بثلاث مراحل رئيسية خلال الأسبوع، بدأت بمرحلة من الاستقرار النسبي خلال يومي 9 و10 مايو، حيث استقر سعر جرام الذهب عيار 21 عند مستوى 7005 جنيهات، بالتزامن مع هدوء نسبي في التداولات وتراجع وتيرة تحديث الأسعار اليومية.
وأضاف أن المرحلة الثانية، الممتدة من 11 إلى 13 مايو، شهدت تراجعًا تدريجيًا في الأسعار، حيث انخفض عيار 21 من 7005 جنيهات إلى 6985 جنيهًا، بالتزامن مع ظهور فجوات سعرية سالبة طفيفة، بينما تراجعت الأوقية عالميًا من 4735 دولارًا إلى 4715 دولارًا.
أما المرحلة الثالثة، والتي امتدت من 14 إلى 16 مايو، فقد شهدت هبوطًا حادًا وسريعًا للأسعار، حيث فقد الذهب نحو 35 جنيهًا في يوم واحد خلال تعاملات 14 مايو، قبل أن يخسر 75 جنيهًا إضافية خلال تعاملات 15 مايو، بالتزامن مع تراجع الأوقية من 4689 دولارًا إلى 4540 دولارًا، بنسبة انخفاض قاربت 3%.
وأوضح أن أدنى مستوى سجله الذهب عيار 21 خلال هذه الفترة بلغ 6865 جنيهًا يوم 16 مايو، ما يعكس حدة الضغوط البيعية التي سيطرت على السوق المحلية والعالمية في آن واحد.
الأسواق تعيد تقييم دور الذهب كملاذ آمن
وأكد إمبابي أن الأسواق العالمية بدأت بالفعل في إعادة تقييم دور الذهب خلال المرحلة الحالية، موضحًا أن استمرار النزاعات الجيوسياسية والحروب لم يعد كافيًا وحده لدفع الأسعار إلى الصعود، في ظل هيمنة مخاوف التضخم المرتفع والسياسات النقدية المشددة على قرارات المستثمرين.
وأشار إلى أن تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن احتمالات انهيار وقف إطلاق النار في الشرق الأوسط ساهمت في استمرار حالة القلق داخل الأسواق، إلا أن المستثمرين أصبحوا أكثر حساسية تجاه بيانات التضخم الأمريكية وتحركات عوائد السندات الأمريكية.
توقعات طويلة الأجل.. ANZ يرى الذهب قرب 6000 دولار بحلول 2027
وفيما يتعلق بالتوقعات المستقبلية، أوضح إمبابي أن النظرة طويلة الأجل للذهب لا تزال إيجابية لدى عدد من المؤسسات المالية العالمية، رغم الضغوط الحالية، مشيرًا إلى أن بنك ANZ يتوقع وصول الذهب إلى مستويات تقترب من 6000 دولار للأوقية بحلول منتصف عام 2027.
وأضاف أن البنك خفّض توقعاته لسعر الذهب بنهاية 2026 إلى 5600 دولار بدلًا من 5800 دولار، لكنه لا يزال يرى اتجاهًا صاعدًا طويل الأجل مدعومًا بعدة عوامل، أبرزها تباطؤ النمو الاقتصادي العالمي، واستمرار التوترات الجيوسياسية، وارتفاع مشتريات البنوك المركزية من الذهب.
وأشار إلى أن البنك يتوقع مرور الذهب بثلاث مراحل رئيسية خلال الفترة المقبلة، تبدأ بمرحلة ضغوط تضخمية تؤثر سلبًا على أداء الذهب بسبب استمرار أسعار الفائدة المرتفعة، ثم مرحلة تباطؤ اقتصادي عالمي مدفوع بأزمة الطاقة، قبل أن تبدأ البنوك المركزية في خفض أسعار الفائدة، وهو ما قد يفتح الباب أمام موجة صعود قوية جديدة للمعدن النفيس.
واختتم إمبابي تصريحاته بالتأكيد على أن استمرار مشتريات البنوك المركزية من الذهب، إلى جانب توجه العديد من الاقتصادات الكبرى نحو تنويع احتياطاتها النقدية بعيدًا عن الدولار الأمريكي، يمثلان عنصر دعم استراتيجي طويل الأجل لأسعار الذهب، مؤكدًا أن السوق المحلية ستظل مرتبطة بشكل أساسي بتحركات الأوقية عالميًا وسعر صرف الدولار في مصر، مع استمرار حالة الحذر والترقب بين المستثمرين والمتعاملين لحين اتضاح اتجاهات السياسة النقدية الأمريكية والتطورات الجيوسياسية خلال المرحلة المقبلة.