• / 4745

واصلت أسعار الذهب تسجيل مستويات تاريخية غير مسبوقة في الأسواق المحلية والعالمية خلال تعاملات اليوم الثلاثاء، بعدما لامست أعلى أسعارها على الإطلاق في السوقين المحلي والعالمي، مدعومة بتصاعد حدة التوترات الجيوسياسية وتجدد الإقبال القوي من المستثمرين على الملاذات الآمنة، وفقًا لتقرير صادر عن منصة «آي صاغة» المتخصصة في سوق الذهب والمعادن الثمينة.

وقال سعيد إمبابي، المدير التنفيذي لمنصة «آي صاغة»، إن أسعار الذهب في السوق المحلية شهدت قفزة قوية خلال تعاملات اليوم، حيث ارتفع سعر الجرام بنحو 80 جنيهًا مقارنة بمستويات الإغلاق السابقة، ليسجل سعر جرام الذهب عيار 21، وهو الأكثر تداولًا في السوق المصرية، مستوى 6355 جنيهًا.

وأوضح إمبابي أن الارتفاعات شملت مختلف الأعيرة، حيث بلغ سعر جرام الذهب عيار 24 نحو 7263 جنيهًا، بينما سجل جرام الذهب عيار 18 حوالي 5447 جنيهًا، في حين ارتفع سعر الجنيه الذهب ليصل إلى نحو 50840 جنيهًا، متأثرًا بالصعود الحاد في الأسعار العالمية.

وعلى الصعيد العالمي، قفزت أسعار الذهب في البورصات الدولية بنحو 60 دولارًا للأوقية خلال تعاملات اليوم، لتسجل الأوقية مستوى 4730 دولارًا، محققة رقمًا قياسيًا جديدًا ومتجاوزة حاجز 4700 دولار لأول مرة، في ظل تنامي الطلب على الأصول الآمنة وابتعاد المستثمرين عن أدوات المخاطرة في الأسواق العالمية.

وأشار التقرير إلى أن أسعار الذهب في الأسواق المحلية ارتفعت بنسبة تقارب 9% منذ بداية العام الجاري، في حين سجلت الأوقية العالمية مكاسب بلغت نحو 9.5% خلال الفترة نفسها، متجاوزة أرباح شهر يناير 2025، التي كانت قد بلغت نحو 6.6%، ما يعكس الزخم القوي الذي يسيطر على حركة المعدن الأصفر.

ولا تزال حالة عدم اليقين تهيمن على معنويات المستثمرين في الأسواق العالمية، مع تجدد التوترات التجارية بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. وخلال عطلة نهاية الأسبوع، هدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بفرض تعريفات جمركية جديدة على ثماني دول أوروبية على خلفية الخلافات المتعلقة بقضية جرينلاند، وهو ما قوبل بانتقادات أوروبية حادة وتحذيرات من اتخاذ إجراءات مضادة حال تنفيذ تلك الرسوم.

وأعادت هذه التطورات إلى الواجهة مخاوف اندلاع حرب تجارية واسعة النطاق عبر المحيط الأطلسي، الأمر الذي تسبب في ضغوط واضحة على أسواق الأسهم العالمية، وعزز في المقابل الطلب على الأصول الدفاعية، وعلى رأسها الذهب. كما أسهم تصاعد لهجة الخطاب السياسي الأمريكي في إضعاف الثقة في الأصول الأمريكية، وهو ما انعكس سلبًا على أداء الدولار، ودفع المستثمرين للتحول نحو عملات مجموعة العشر البديلة والملاذات الآمنة التقليدية.

وبالتوازي مع المخاوف التجارية، لا تزال الحرب الروسية الأوكرانية، إلى جانب التوترات المستمرة في منطقة الشرق الأوسط، تسهم في إبقاء مستويات المخاطر الجيوسياسية مرتفعة، ما يوفر دعمًا إضافيًا لأسعار الذهب ويعزز جاذبيته كملاذ آمن في أوقات الاضطراب.

وفي هذا السياق، واصل مؤشر الدولار الأمريكي تراجعه لليوم الثاني على التوالي، ليتداول قرب مستوى 98.45 نقطة، وهو أدنى مستوياته في نحو أسبوعين، الأمر الذي يمنح المعدن الأصفر دفعة إضافية للصعود، نظرًا للعلاقة العكسية بين الدولار وأسعار الذهب.

وفي تطور لافت، رفض الرئيس الأمريكي استبعاد استخدام القوة العسكرية للسيطرة على جزيرة جرينلاند، مكتفيًا بالقول: «لا تعليق»، فيما أكد في منشور له على منصة Truth Social أن الجزيرة «ضرورية للأمن القومي والعالمي»، مشيرًا إلى أن هذا الملف سيُطرح للنقاش خلال اجتماعات المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس.

من جانبها، أكدت كايا كالاس، مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، أن أوروبا «لا ترغب في الدخول في مواجهة» مع الولايات المتحدة، لكنها شددت في الوقت ذاته على أن الاتحاد الأوروبي سيدافع عن مصالحه، ويمتلك «مجموعة من الأدوات» للرد في حال تصاعد التوترات. ويرى محللون أن منطقة اليورو، باعتبارها أكبر حائز أجنبي لسندات الخزانة الأمريكية طويلة الأجل بنسبة تقارب 21% من إجمالي الحيازات الأجنبية، تمتلك أوراق ضغط محتملة في أي نزاع تجاري واسع النطاق.

وتترقب الأسواق العالمية خلال الأسبوع الجاري سلسلة من الأحداث والقرارات المؤثرة، من بينها قرار المحكمة العليا الأمريكية بشأن قانونية التعريفات الجمركية، إضافة إلى جلسات قضائية تتعلق بمحاولة عزل ليزا كوك، محافظ مجلس الاحتياطي الفيدرالي، فضلًا عن احتمالات الإعلان عن رئيس جديد للبنك المركزي الأمريكي.

كما يتركز اهتمام المستثمرين على البيانات الاقتصادية الأمريكية المرتقبة، وعلى رأسها بيانات التوظيف الصادرة عن مؤسسة ADP، وبيانات التضخم وفق مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي (PCE)، إلى جانب أرقام الناتج المحلي الإجمالي، واستطلاعات مديري المشتريات، وبيانات ثقة المستهلكين، لما لها من تأثير مباشر على توقعات السياسة النقدية الأمريكية.

وتشير التوقعات إلى أن أسعار الذهب تستمد دعمًا قويًا من ترجيحات بدء مجلس الاحتياطي الفيدرالي خفض أسعار الفائدة خلال العام الجاري، مدفوعة بصدور بيانات اقتصادية أضعف نسبيًا، إلى جانب مؤشرات على تباطؤ معدلات التضخم، وهو ما يعزز جاذبية الذهب كأداة تحوط في بيئة انخفاض العوائد.

وتؤكد تقارير اقتصادية أن تصاعد التوترات الجيوسياسية، وارتفاع مستويات العجز المالي، واستمرار حالة عدم اليقين السياسي، إلى جانب الارتفاع القياسي في ديون الحكومات والشركات خلال عام 2025، تمثل عوامل هيكلية داعمة لأسعار الذهب، وتعزز دوره كأداة تحوط منخفضة التقلب في ظل بيئة اقتصادية عالمية شديدة الاضطراب.

وعلى صعيد الطلب الفعلي، لا تزال مشتريات البنوك المركزية العالمية تمثل ركيزة أساسية لدعم أسعار الذهب، حيث أصبحت أقل تأثرًا بتقلبات السوق قصيرة الأجل، ما يعزز النظرة الإيجابية طويلة الأجل للمعدن الأصفر، ويُرسخ استقراره فوق مستوى 4000 دولار للأوقية خلال المرحلة المقبلة.