• / 1824

تواصل البنوك المركزية حول العالم الاعتماد على بنك إنجلترا وبنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك باعتبارهما من أبرز مراكز حفظ احتياطيات الذهب، إلا أن الاتجاه العالمي يشهد تحولًا تدريجيًا نحو تنويع أماكن تخزين الذهب وتوزيع الحيازات بين عدة دول ومراكز مالية، في محاولة لتقليل المخاطر السياسية والقانونية التي قد تنتج عن الاحتفاظ بجزء كبير من الاحتياطيات لدى جهة واحدة.

وبحسب تحليل صادر عن مجموعة جولدمان ساكس، لا تزال لندن ونيويورك من أكثر الوجهات جذبًا للبنوك المركزية الراغبة في حفظ احتياطيات الذهب خارج حدودها، وذلك بفضل السيولة المرتفعة التي تتمتع بها الأسواق المالية في المدينتين، إلى جانب البنية التحتية المتطورة التي تتيح لمديري الاحتياطيات الوصول بسرعة إلى أسواق الذهب العالمية وتنفيذ المعاملات دون الحاجة إلى نقل السبائك بشكل متكرر.

بنك إنجلترا يتصدر مراكز حفظ احتياطيات الذهب

أظهر استطلاع أجراه مجلس الذهب العالمي أن 57% من البنوك المركزية المشاركة في الاستطلاع تحتفظ بجزء من احتياطياتها الذهبية لدى بنك إنجلترا، ليحتل البنك المرتبة الأولى بين جهات الحفظ الخارجية التي تعتمد عليها البنوك المركزية حول العالم.

وجاء بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك في المرتبة الثانية، إذ تحتفظ 14% من البنوك المركزية المشاركة في الاستطلاع بجزء من احتياطيات الذهب لديها في هذا المركز، بينما تشمل أبرز جهات الحفظ الأخرى بنك التسويات الدولية في سويسرا وبنك فرنسا.

وفي الوقت نفسه، تسعى الصين إلى تعزيز مكانتها باعتبارها مركزًا بديلًا ومهمًا لحفظ الذهب، في ظل تزايد اهتمام البنوك المركزية بتنويع مواقع تخزين الاحتياطيات وتقليل الاعتماد على عدد محدود من المراكز المالية العالمية.

لماذا تفضل البنوك المركزية تخزين الذهب في لندن ونيويورك؟

يرجع استمرار جاذبية لندن ونيويورك كمراكز رئيسية لتخزين الذهب إلى السيولة الكبيرة التي توفرها أسواقهما، فضلًا عن ارتباط الذهب المخزن في هذه المراكز بشبكات التسوية الرئيسية في الأسواق العالمية.

ويتيح ذلك لمديري الاحتياطيات لدى البنوك المركزية الوصول إلى أسواق الذهب العالمية بسرعة وكفاءة، دون الحاجة إلى نقل السبائك من مكان إلى آخر أو إعادة اعتمادها في كل مرة يتم فيها تنفيذ معاملة جديدة.

كما تمنح هذه المراكز البنوك المركزية إمكانية الاستفادة من حيازاتها الذهبية للحصول على سيولة بالدولار من خلال عمليات المبادلة، إلى جانب إمكانية تحقيق عوائد إضافية عبر تأجير الذهب، وهو ما يزيد من جاذبية الاحتفاظ بجزء من الاحتياطيات في مراكز مالية عالمية متخصصة.

ومع ذلك، فإن تخزين الذهب خارج حدود الدولة ينطوي في الوقت نفسه على مجموعة من المخاطر، أبرزها احتمال تجميد الأصول أو فرض قيود على الوصول إليها أو استخدامها في حالة وقوع أزمات سياسية أو نشوب نزاعات قانونية بين الدول.

أزمة الذهب الفنزويلي تعزز مخاوف تنويع أماكن تخزين الذهب

استشهدت مجموعة جولدمان ساكس بالنزاع الذي نشأ عام 2018 بشأن الذهب الفنزويلي المخزن لدى بنك إنجلترا، باعتباره أحد الأمثلة على المخاطر التي يمكن أن تواجهها البنوك المركزية عند الاحتفاظ بجزء من احتياطياتها الذهبية خارج حدودها.

وتوضح هذه الأزمة أهمية مسألة مكان تخزين احتياطيات الذهب، خاصة في ظل إمكانية ظهور نزاعات سياسية أو قانونية تؤثر على قدرة الدولة المالكة للاحتياطي على الوصول إلى أصولها أو التصرف فيها.

وفي المقابل، فإن الاحتفاظ بكامل احتياطيات الذهب داخل الدولة لا يخلو أيضًا من التحديات والمخاطر، إذ يتطلب إنشاء بنية تحتية متخصصة وتوفير تكاليف مرتفعة تتعلق بالأمن المادي، وعمليات التدقيق، والتأمين، وحماية السبائك من المخاطر المختلفة.

كما يمكن أن تتعرض الحيازات الذهبية الموجودة داخل الدولة نفسها لمخاطر سياسية أو أمنية محلية، وهو ما يجعل قرار مكان تخزين الذهب مسألة تتعلق بالموازنة بين مجموعة من المخاطر والتكاليف، وليس مجرد اختيار بين التخزين المحلي أو الخارجي.

وترى جولدمان ساكس أن توزيع الاحتياطيات الذهبية على عدة جهات حفظ أجنبية يمكن أن يساعد البنوك المركزية على تقليل الاعتماد على دولة واحدة أو نظام قانوني واحد.

ومن شأن هذا التنويع أن يحد من المخاطر المرتبطة بإمكانية تجميد الأصول أو تقييد استخدامها، كما يوفر للبنوك المركزية قدرًا أكبر من المرونة في إدارة احتياطياتها الدولية خلال فترات الأزمات السياسية والاقتصادية.

البنوك المركزية تشتري 57 طنًا من الذهب خلال يونيو

وفي سياق متصل، قدرت مجموعة جولدمان ساكس مشتريات البنوك المركزية من الذهب بنحو 57 طنًا خلال شهر يونيو، مقارنة بمتوسط شهري بلغ نحو 17 طنًا قبل عام 2022، وهو ما يعكس استمرار قوة الطلب الرسمي على المعدن النفيس من جانب البنوك المركزية.

وكانت الصين أكبر المشترين المعروفين للذهب خلال الشهر، بعدما أضافت نحو 40 طنًا إلى احتياطياتها من المعدن النفيس.

وتأتي هذه المشتريات في إطار الاتجاه المستمر لدى عدد من البنوك المركزية نحو زيادة حيازاتها من الذهب، باعتباره أحد الأصول التي يمكن استخدامها لتنويع الاحتياطيات الدولية وتقليل الاعتماد على بعض الأصول والعملات الأجنبية.

كما رصدت مجموعة جولدمان ساكس دخول نحو 32 طنًا من الذهب النقدي إلى لندن خلال الشهر، مرجحة أن تكون هذه الحركة مرتبطة بنقل الذهب بغرض التخزين والحفظ، وليس بعمليات بيع في السوق.

وتستند هذه القراءة إلى ارتفاع الحيازات الرسمية الأجنبية لدى بنك إنجلترا بنحو 98 طنًا خلال الشهر نفسه، وهو ما يشير إلى استمرار استخدام لندن كمركز رئيسي لحفظ الذهب المملوك للبنوك المركزية والجهات الرسمية الأجنبية.

تجميد احتياطيات روسيا يدفع البنوك المركزية إلى تنويع أماكن تخزين الذهب

وترى جولدمان ساكس أن اتجاه البنوك المركزية نحو تنويع أماكن الاحتفاظ باحتياطيات الذهب من المرجح أن يستمر لسنوات، خاصة بعد تجميد الاحتياطيات الروسية في عام 2022، وما ترتب على ذلك من زيادة المخاوف المتعلقة بمخاطر الاحتفاظ بالأصول السيادية خارج حدود الدولة.

وأثار تجميد جزء كبير من الاحتياطيات الروسية الموجودة في الخارج تساؤلات واسعة بين البنوك المركزية حول مخاطر الاعتماد على مراكز حفظ أجنبية واحدة، أو الاحتفاظ بجزء كبير من الأصول السيادية في دول قد تتخذ إجراءات قانونية أو سياسية تؤثر على إمكانية الوصول إليها.

وفي هذا السياق، أصبح تنويع أماكن تخزين الذهب أحد الخيارات التي يمكن أن تلجأ إليها البنوك المركزية للحد من المخاطر الجغرافية والسياسية والقانونية، من خلال توزيع الاحتياطيات بين أكثر من دولة ومركز مالي بدلًا من الاعتماد على جهة واحدة.

جولدمان ساكس تتوقع وصول سعر الذهب إلى 4,900 دولار للأوقية

أبقت مجموعة جولدمان ساكس على توقعاتها لسعر الذهب عند مستوى 4,900 دولار للأوقية بنهاية عام 2026، مدعومة بتوقعات استمرار مشتريات البنوك المركزية من المعدن النفيس.

وتتوقع المجموعة أن تصل مشتريات البنوك المركزية إلى متوسط يبلغ نحو 50 طنًا شهريًا خلال العام الجاري، وهو ما يعكس استمرار الطلب الرسمي على الذهب باعتباره أحد المكونات المهمة في إدارة الاحتياطيات الدولية.

ويأتي استمرار شراء البنوك المركزية للذهب في وقت تشهد فيه إدارة الاحتياطيات الرسمية تغيرات مرتبطة بالتوترات الجيوسياسية والمخاطر الاقتصادية والمالية العالمية، الأمر الذي يدفع بعض المؤسسات الرسمية إلى البحث عن مزيد من التنويع في مكونات احتياطياتها ومواقع تخزينها.

الذهب يتحول إلى أداة استراتيجية في إدارة الاحتياطيات الدولية

يعكس الاتجاه المتزايد نحو شراء الذهب وتنويع أماكن تخزينه تحولًا مهمًا في طريقة تعامل البنوك المركزية مع إدارة الاحتياطيات الدولية.

فالذهب لم يعد يُنظر إليه فقط باعتباره أصلًا للتحوط من التضخم وتقلبات الأسواق المالية، وإنما أصبح أيضًا أداة استراتيجية يمكن استخدامها لتنويع المخاطر الجغرافية والسياسية والقانونية المرتبطة بالاحتفاظ بالأصول السيادية في الخارج.

ومع استمرار البنوك المركزية في زيادة مشترياتها من الذهب، يبدو أن تنويع احتياطيات الذهب ومواقع تخزينه سيظل من الاتجاهات المهمة في السنوات المقبلة، خاصة في ظل ارتفاع المخاوف بشأن المخاطر السياسية والقانونية التي قد تؤثر على الأصول المحتفظ بها خارج الحدود.

وبالتالي، فإن اعتماد البنوك المركزية على مراكز مثل لندن ونيويورك لا يعني بالضرورة استمرار تركيز الاحتياطيات في هذه الأسواق، بل تشير التطورات الأخيرة إلى توجه نحو استراتيجية أكثر تنوعًا، تجمع بين الاستفادة من السيولة والبنية التحتية التي توفرها المراكز المالية الكبرى، وتقليل المخاطر الناتجة عن الاعتماد على دولة أو نظام قانوني واحد.