• / 2552

سجّلت أسعار الفضة قفزة تاريخية غير مسبوقة خلال تعاملات يوم الجمعة، بعدما نجحت في تجاوز مستوى 100 دولار للأوقية لأول مرة على الإطلاق، في تطور يُعد محطة فارقة في مسار سوق المعادن النفيسة عالميًا، وذلك بدعم من تراجع الدولار الأمريكي وتجدد الإقبال القوي على أصول الملاذ الآمن، وفقًا لتقرير صادر عن مركز «الملاذ الآمن».

وأوضح التقرير أن وتيرة الصعود تسارعت بشكل ملحوظ، رغم انحسار نسبي في حدة المخاطر الجيوسياسية عقب تهدئة الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، إلا أن تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بفرض رسوم جمركية جديدة على ثماني دول أوروبية أعادت حالة التوتر وعدم اليقين إلى الأسواق العالمية. وتزامن ذلك مع استمرار القيود الهيكلية المفروضة على المعروض العالمي من الفضة، ما ساهم في تشديد أوضاع سوق المعادن النفيسة ودفع الأسعار إلى مستويات قياسية.

السوق المحلية

على الصعيد المحلي، انعكس الارتفاع العالمي في أسعار الفضة على السوق المصرية، حيث شهدت الأسعار زيادات ملحوظة خلال تعاملات الجمعة. وارتفع سعر جرام الفضة عيار 999 من مستوى 154 جنيهًا إلى نحو 163 جنيهًا، في حين صعد سعر جرام الفضة عيار 925 ليسجل 151 جنيهًا. كما بلغ سعر جرام الفضة عيار 800 نحو 131 جنيهًا، بينما سجّل سعر الجنيه الفضة مستوى 1208 جنيهات، مدفوعًا بزيادة الطلب الاستثماري وتراجع المعروض.

الأسواق العالمية

وعلى المستوى العالمي، قفزت أسعار الفضة من مستويات قريبة من 96 دولارًا للأوقية إلى أكثر من 101 دولار للأوقية، لتسجل أعلى مستوى في تاريخها، مستفيدة من بيئة اقتصادية عالمية تتسم بتصاعد النفور من المخاطرة وتجدد الطلب على الأصول الدفاعية، بالتوازي مع تنامي التوترات السياسية والاقتصادية في عدد من المناطق.

وفي الوقت نفسه، يتجه مؤشر الدولار الأمريكي لتسجيل أسوأ أداء أسبوعي له منذ يونيو، بعدما أدت السياسات التصعيدية التي يتبناها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بما في ذلك إثارة الجدل حول ملف غرينلاند، إلى توتير العلاقات مع شركاء تجاريين رئيسيين. وأسهم ذلك في تآكل صورة الولايات المتحدة كقوة اقتصادية مستقرة، وأضعف من مكانة الدولار كعملة احتياطية عالمية، ما عزز جاذبية المعادن النفيسة وعلى رأسها الفضة.

عوامل داعمة لارتفاع أسعار الفضة

وأشار التقرير إلى أن هذا الارتفاع القوي في أسعار الفضة جاء في ظل إقبال متزايد من المستثمرين على الملاذات الآمنة، مع تنامي التوقعات بقيام مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي بخفض أسعار الفائدة خلال الفترة المقبلة، في أعقاب صدور مؤشرات اقتصادية تعكس تباطؤًا في أداء الاقتصاد الأمريكي.

ولفت التقرير إلى أن أسعار الفضة ارتفعت بأكثر من 200% منذ تولي الرئيس الأمريكي ولايته الثانية في يناير من العام الماضي، خلال فترة اتسمت بتقلبات حادة في الأسواق المالية وتصاعد المخاوف المرتبطة بالتجارة العالمية والسياسات النقدية.

كما أوضح أن نقص المعروض العالمي من الفضة يمثل عامل ضغط رئيسيًا يحد من قدرة السوق على تلبية الطلب المتزايد، في ظل التحديات المستمرة التي تواجه توسعة قدرات التعدين والمعالجة، وهو ما عزز الضغوط الصعودية على الأسعار.

إلى جانب ذلك، أسهم تنامي الطلب الصناعي، لا سيما في قطاعات الطاقة المتجددة وصناعة الألواح الشمسية والإلكترونيات الدقيقة، في دعم أسعار الفضة، بالتوازي مع ارتفاع جاذبيتها كأداة تحوط فعالة في بيئة عالمية تتسم بارتفاع مستويات المخاطر وعدم اليقين.

تحول في سلوك المستثمرين

ويرى محللون أن وصول أسعار الفضة إلى هذا المستوى القياسي يعكس تحولًا جوهريًا في سلوك المستثمرين، حيث لم تعد الفضة تُعامل فقط كمعدن صناعي، بل باتت تُصنف كأصل استثماري قادر على مواجهة حالة الضبابية المتعلقة بمسار النمو الاقتصادي وأسعار الفائدة عالميًا خلال عام 2026.

وأضاف التقرير أن صعود الفضة يأتي ضمن موجة ارتفاع أوسع تشمل مختلف المعادن النفيسة، في ظل عودة المخاوف من اندلاع نزاع تجاري جديد عبر الأطلسي، عقب تصاعد التوترات السياسية بين الولايات المتحدة وأوروبا، وهو ما عزز الطلب على الأصول الدفاعية.

كما يسعى المستثمرون إلى التحوط من مخاطر السياسة التجارية الأمريكية، وارتفاع مستويات الدين العام الأمريكي، فضلًا عن الاضطرابات المتزايدة في المشهد السياسي العالمي.

وأشار التقرير إلى أن الهجمات المتكررة من الإدارة الأمريكية على مجلس الاحتياطي الفيدرالي أثارت مخاوف بشأن استقلالية البنوك المركزية، ما عزز ما يُعرف بـ«تجارة خفض قيمة العملة»، حيث يفضل المستثمرون الاحتفاظ بالذهب والفضة بدلًا من العملات والسندات الحكومية، خاصة في ظل استمرار الضغوط على الدولار الأمريكي.

وبالإضافة إلى التوترات بين واشنطن وشركائها الأوروبيين، تواصل الصراعات الممتدة في أوروبا الشرقية ومنطقة الشرق الأوسط الإبقاء على مستوى مرتفع من المخاطر الجيوسياسية، ما يوفر دعمًا أساسيًا وقويًا لأسعار الفضة باعتبارها ملاذًا آمنًا في مواجهة حالة عدم اليقين الاقتصادي والمالي عالميًا.

موجة شراء محمومة في الأسواق العالمية

وتجاوزت أسعار الفضة حاجز 100 دولار للأوقية لأول مرة يوم الجمعة، وسط طلب قوي وعمليات شراء مكثفة في أسواق التجزئة العالمية، من شنغهاي إلى نيويورك.

وارتفع سعر المعدن النفيس بأكثر من 5% ليصل إلى نحو 101.22 دولار للأوقية، بعدما بدأ تعاملات الأسبوع دون مستوى 90 دولارًا، مدفوعًا بتدهور العلاقات بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، إلى جانب موجة شراء واسعة من المستثمرين الأفراد، لا سيما في السوق الصينية.

وإلى جانب دورها الاستثماري، تواصل الفضة لعب دور صناعي محوري، خاصة في قطاع الطاقة الشمسية، ما أثار مخاوف من فرض تعريفات جمركية أمريكية محتملة على المعدن، وهو ما ساهم بدوره في تقديم دعم إضافي للأسعار.

الذهب يواصل تسجيل مستويات قياسية

وفي السياق ذاته، واصل الذهب مكاسبه القوية، محققًا ارتفاعًا تجاوز 25% منذ بداية العام الجاري، ليستكمل مساره الصاعد الذي انطلق في عام 2025، حين تضاعفت قيمته بأكثر من مرتين.

وسجّل الذهب مستوى قياسيًا جديدًا مقتربًا من حاجز 5000 دولار للأوقية، حيث بلغ سعر الأوقية نحو 4987.69 دولارًا، لترتفع مكاسبه منذ بداية العام إلى قرابة 14%، بعد صعوده بنسبة 65% خلال عام 2025.

وخلال الجلسات الخمس الماضية فقط، ارتفعت أسعار الذهب بنسبة 7%، متجهة لتحقيق أفضل أداء أسبوعي لها منذ عام 2020، بدعم من الطلب الاستثماري القوي ومشتريات البنوك المركزية.

وكان بنك جولدمان ساكس قد رفع توقعاته لسعر الذهب بنهاية العام إلى 5400 دولار للأوقية، مدفوعًا بزيادة استثمارات القطاع الخاص واستمرار وتيرة مشتريات البنوك المركزية العالمية.

كما يتوقع بنك أوف أمريكا وصول أسعار الذهب إلى مستوى 6000 دولار للأوقية خلال العام الجاري، مشيرًا في الوقت ذاته إلى أن الفضة قد تكون أكثر جاذبية للمستثمرين، لا سيما مع بقاء نسبة الذهب إلى الفضة عند نحو 59، وهو ما يفتح المجال أمام مزيد من التفوق النسبي للفضة.

وأوضح البنك أن وصول النسبة إلى أدنى مستوياتها التاريخية عند 32 في عام 2011 كان سيعني سعر فضة يبلغ نحو 135 دولارًا للأوقية، في حين يشير القاع التاريخي المسجل عام 1980 عند مستوى 14 إلى سعر محتمل قد يصل إلى 309 دولارات للأوقية.