- 23 يناير 2026
- / 2310
واصلت أسعار الذهب ارتفاعها القوي في الأسواق المحلية والعالمية مع اقتراب ختام تعاملات اليوم الجمعة، مدعومة بتزايد الإقبال على المعدن النفيس باعتباره ملاذًا آمنًا، في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية على الساحة الدولية، وتراجع الثقة في الدولار الأمريكي، وذلك وفقًا لتقرير صادر عن منصة «آي صاغة» المتخصصة في رصد أسواق الذهب والمعادن النفيسة.
وقال سعيد إمبابي، المدير التنفيذي لمنصة «آي صاغة»، إن أسعار الذهب في السوق المحلية سجلت ارتفاعًا ملحوظًا بنحو 80 جنيهًا للجرام خلال تعاملات اليوم، ليصل سعر جرام الذهب عيار 21 — وهو العيار الأكثر تداولًا في مصر — إلى نحو 6680 جنيهًا، بالتزامن مع صعود أسعار الذهب عالميًا، حيث ارتفعت الأوقية في البورصة العالمية إلى مستوى 4965 دولارًا.
وأضاف إمبابي أن سعر جرام الذهب عيار 24 بلغ نحو 7634 جنيهًا، فيما سجل جرام الذهب عيار 18 حوالي 5726 جنيهًا، بينما ارتفع سعر الجنيه الذهب إلى نحو 53,440 جنيهًا، في انعكاس مباشر لحالة الصعود القوي التي تشهدها الأسواق العالمية.
الذهب يستعيد زخمه ويسجل قممًا تاريخية جديدة عالميًا
وعلى الصعيد العالمي، استعاد الذهب زخمه بقوة خلال تعاملات يوم الجمعة، ليواصل تسجيل مستويات قياسية جديدة، بعد تعرضه لضغوط محدودة في وقت سابق من الجلسة. ولامست أسعار الذهب مستوى 4980 دولارًا للأوقية، متعافية من أدنى مستوياتها قرب 4899 دولارًا، لتتجه نحو تحقيق مكاسب أسبوعية للأسبوع الثالث على التوالي.
وجاء هذا الارتفاع في ظل الأداء الضعيف للدولار الأمريكي، حيث فشلت البيانات الاقتصادية الأمريكية المتباينة في تقديم دعم قوي للعملة الخضراء، ما أتاح المجال أمام الذهب لمواصلة الصعود والاستفادة من بيئة عدم اليقين السائدة.
ويقترب الذهب من تحقيق مكاسب أسبوعية تتجاوز 8%، مدفوعًا بتصاعد الطلب على أصول الملاذ الآمن، في ظل المخاوف المتزايدة من اتساع رقعة التوترات الجيوسياسية، وعودة الحديث عن توجهات «بيع أمريكا»، التي تعكس قلق المستثمرين من الأصول المقومة بالدولار.
التوترات السياسية وتصريحات ترامب تدعم أسعار الذهب
ورغم تراجع حدة بعض التوترات يوم الأربعاء، عقب إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التراجع عن تهديدات سابقة بفرض رسوم جمركية على عدد من الدول الأوروبية، بعد التوصل إلى اتفاقية إطارية مستقبلية بشأن ملف غرينلاند، فإن هذه التطورات لم تنجح سوى بشكل محدود في كبح جماح صعود أسعار الذهب، خاصة في ظل غياب تفاصيل واضحة ومُلزمة داخل الاتفاق المعلن.
ولا يزال المستثمرون ينظرون بحذر شديد إلى المشهد السياسي العالمي، مع استمرار حالة عدم اليقين الجيوسياسي والاقتصادي، وهو ما يُبقي الطلب مرتفعًا على الذهب باعتباره أحد أهم أدوات التحوط في أوقات الأزمات.
بيانات اقتصادية أمريكية متباينة تضغط على الدولار
وأظهرت البيانات الأولية لمؤشر مديري المشتريات العالمي (PMI) الصادر عن مؤسسة «ستاندرد آند بورز» تحسنًا طفيفًا في أداء قطاع التصنيع الأمريكي، حيث ارتفع المؤشر إلى 51.9 نقطة خلال شهر يناير، مقارنة بـ51.8 نقطة في ديسمبر، إلا أنه جاء دون توقعات الأسواق البالغة 52.1 نقطة.
وفي المقابل، استقر مؤشر قطاع الخدمات عند مستوى 52.5 نقطة دون تغيير عن الشهر السابق، كما جاء أقل من التوقعات التي بلغت 52.8 نقطة، ما يعكس استمرار حالة التباطؤ النسبي في وتيرة النشاط الاقتصادي.
كما أظهرت بيانات استطلاع جامعة ميشيغان لشهر يناير تحسنًا ملحوظًا في ثقة المستهلكين، حيث ارتفع مؤشر توقعات المستهلك إلى 57 نقطة، متجاوزًا التوقعات والقراءة السابقة البالغة 55 نقطة، فيما صعد مؤشر ثقة المستهلك إلى 56.4 نقطة مقارنة بـ54 نقطة في القراءة السابقة.
وفي المقابل، تراجعت توقعات التضخم لمدة عام إلى 4.0% من 4.2%، كما انخفضت توقعات التضخم على مدى خمس سنوات إلى 3.3% من 3.4%.
مؤشرات اقتصادية إضافية تعزز حالة الضبابية
وأظهرت بيانات أخرى صدرت يوم الخميس نمو الاقتصاد الأمريكي بمعدل سنوي بلغ 4.4% خلال الربع الثالث، متجاوزًا توقعات الأسواق البالغة 4.3%، ومتسارعًا من 3.8% في الربع الثاني. في الوقت نفسه، استقر معدل التضخم الأساسي لنفقات الاستهلاك الشخصي عند 2.9%، بينما ارتفعت طلبات إعانة البطالة الأولية إلى 200 ألف طلب.
وفي هذا السياق، يتداول مؤشر الدولار الأمريكي قرب مستوى 98.36 نقطة، بالقرب من أدنى مستوياته في أسبوعين، ويتجه لتسجيل أول خسارة أسبوعية له منذ ثلاثة أسابيع، ما يوفر دعمًا إضافيًا لأسعار الذهب.
سياسات ترامب التجارية تهز ثقة المستثمرين
ويرى محللون أن الأجندة التجارية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، واعتماده المتكرر على الرسوم الجمركية كأداة ضغط سياسي، أسهما في تآكل ثقة المستثمرين في الأصول الأمريكية، وعززا المخاوف من تراجع قيمة الدولار، ما دفع المستثمرين إلى زيادة حيازاتهم من الذهب.
وفي هذا الإطار، أعلن ترامب يوم الخميس انتهاء المقابلات لاختيار رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي المقبل، مؤكدًا أنه اتخذ قراره بالفعل، مع ترجيحات بإعلان رسمي قبل نهاية يناير الجاري. وتضم القائمة المختصرة — وفقًا لتقارير إعلامية — كلًا من كيفن هاسيت، وريك ريدر، وكريستوفر والر، وكيفن وارش.
ولا تزال الأسواق تخشى أن يؤدي اختيار رئيس جديد للاحتياطي الفيدرالي إلى تبني سياسة نقدية أكثر تيسيرًا، لا سيما في ظل انتقادات ترامب المتكررة لرئيس الفيدرالي الحالي جيروم باول بسبب عدم خفض أسعار الفائدة بوتيرة أسرع.
السياسة النقدية الأمريكية ودورها في دعم الذهب
وعلى صعيد السياسة النقدية، عززت البيانات الاقتصادية الأمريكية الأخيرة التوقعات بأن الاحتياطي الفيدرالي سيتجه إلى نهج التيسير التدريجي بدلًا من التخفيضات الحادة. وتشير توقعات الأسواق إلى شبه إجماع على تثبيت أسعار الفائدة خلال اجتماع 27–28 يناير، مع ترجيح استمرار السياسة النقدية الحالية طوال الربع الأول من العام.
بنك أوف أمريكا يرفع مستهدف الذهب إلى 6,000 دولار
ومع اقتراب أسعار الذهب من مستوى 5,000 دولار للأوقية — الذي كان يُعدّ في السابق غير قابل للتحقق — رفع بنك أوف أمريكا توقعاته السعرية قصيرة الأجل إلى 6,000 دولار للأوقية، ليصبح بذلك الأكثر تفاؤلًا بين كبرى المؤسسات المالية العالمية.
وقال مايكل هارتنت، كبير محللي الاستثمار في البنك، إن متوسط موجات الصعود التاريخية للذهب بلغ نحو 300% خلال فترة تمتد إلى 43 شهرًا، ما قد يدفع الأسعار إلى مستوى 6,000 دولار بحلول الربيع المقبل، أي بارتفاع يقارب 20% عن المستويات القياسية الحالية.
من جانبه، أكد مايكل ويدمر، رئيس أبحاث المعادن في بنك أوف أمريكا، أن الذهب سيظل عنصرًا رئيسيًا في المحافظ الاستثمارية خلال عام 2026، مشيرًا إلى أن تشديد أوضاع السوق وارتفاع حساسية الأرباح يعززان دور الذهب كأداة تحوط ومحرك محتمل للعوائد.
تراجع المعروض وارتفاع تكاليف الإنتاج يدعمان الأسعار
وتستند توقعات بنك أوف أمريكا لعام 2026 إلى تراجع المعروض العالمي وارتفاع تكاليف الإنتاج، حيث يتوقع البنك انخفاض إنتاج 13 شركة تعدين كبرى في أمريكا الشمالية بنسبة 2% ليصل إلى 19.2 مليون أوقية، مع ارتفاع متوسط التكلفة الشاملة للإنتاج (AISC) إلى نحو 1,600 دولار للأوقية.
نظرة إيجابية للمعادن النفيسة
ويتوقع بنك أوف أمريكا أن يبلغ متوسط السعر الحقيقي للذهب نحو 4,538 دولارًا للأوقية خلال عام 2026، مع ترجيحات قوية بارتفاع أسعار الفضة والبلاتين والبلاديوم.
وأشار ويدمر إلى أن الفضة قد تكون أكثر جاذبية للمستثمرين ذوي الشهية المرتفعة للمخاطر، في ظل وصول نسبة الذهب إلى الفضة حاليًا إلى نحو 59، مقارنة بأدنى مستويات تاريخية بلغت 32 في عام 2011 و14 في عام 1980.
السوق لم يبلغ ذروة الصعود بعد
وأكد ويدمر أن موجات الصعود القوية للذهب لا تنتهي لمجرد ارتفاع الأسعار، بل بزوال العوامل الأساسية الداعمة، موضحًا أن السوق لا يزال دون مستواه الاستثماري العادل، مع وجود مساحة واسعة لتعزيز دور الذهب داخل المحافظ الاستثمارية عالميًا.
وأضاف أن زيادة الطلب الاستثماري بنسبة 14% فقط قد تدفع أسعار الذهب إلى المستهدف الحالي، في حين يتطلب الوصول إلى مستوى 8,000 دولار زيادة الطلب بنحو 55%.
الطلب الاستثماري ومشتريات البنوك المركزية
وشهد الطلب الاستثماري على الذهب، لا سيما من قبل الأفراد، قفزة قوية خلال الأشهر الأخيرة، مع تسجيل تدفقات صناديق المؤشرات المدعومة بالذهب خلال عام 2025 أعلى مستوياتها منذ عام 2020.
كما يتوقع بنك أوف أمريكا استمرار مشتريات البنوك المركزية من الذهب، حتى بعد وصول الاحتياطيات الرسمية إلى مستويات قياسية، مشيرًا إلى أن الذهب بات يمثل نحو 15% من إجمالي الاحتياطيات العالمية، مع إمكانية ارتفاع هذه النسبة إلى 30% خلال السنوات المقبلة.
واختتم ويدمر تصريحاته بالتأكيد على أن السياسة النقدية الأمريكية ستظل العامل الحاسم في موجات الصعود المقبلة، موضحًا أن الذهب يرتفع في المتوسط بنسبة 13% خلال دورات التيسير النقدي عندما يتجاوز معدل التضخم مستوى 2%.