• / 3178

شهدت أسعار الذهب في الأسواق المحلية والبورصة العالمية تراجعًا خلال تعاملات اليوم الأربعاء، متأثرة بعمليات جني الأرباح التي نفذها المستثمرون، إلا أن استمرار الطلب على الذهب كملاذ آمن حدّ من حدة الخسائر، في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية عالميًا، وفقًا لتقرير صادر عن منصة «آي صاغة».

وقال سعيد إمبابي، المدير التنفيذي لمنصة «آي صاغة»، إن أسعار الذهب في السوق المحلية سجلت تراجعًا بنحو 55 جنيهًا للجرام خلال تعاملات اليوم، حيث بلغ سعر جرام الذهب عيار 21 نحو 5950 جنيهًا، بينما انخفض سعر الأوقية في البورصة العالمية بنحو 49 دولارًا، ليسجل مستوى 4445 دولارًا.

وأوضح إمبابي أن سعر جرام الذهب عيار 24 سجل نحو 6800 جنيه، في حين بلغ سعر جرام الذهب عيار 18 قرابة 5100 جنيه، بينما سجل سعر الجنيه الذهب نحو 47,600 جنيه، متأثرًا بتراجع الأسعار العالمية والمحلية في آن واحد.

وتراجعت أسعار الذهب والفضة في مستهل تداولات يوم الأربعاء بالولايات المتحدة، نتيجة عمليات جني الأرباح التي نفذها متداولو العقود الآجلة على المدى القصير، بعد موجة من الارتفاعات القوية التي سجلها المعدنان النفيسان خلال الفترة الماضية.

ورغم هذا التراجع، لا تزال الخسائر محدودة حتى الآن، في ظل توقعات بزيادة الإقبال على الشراء عند المستويات السعرية المنخفضة، خاصة مع استمرار التوترات الجيوسياسية العالمية التي تعزز الطلب على الذهب باعتباره أحد أهم الملاذات الآمنة للتحوط في أوقات عدم اليقين.

وفي الوقت ذاته، تواصل التوقعات المتعلقة باتجاه الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي نحو تيسير السياسة النقدية تقديم دعم إضافي لأسعار الذهب. وفي هذا الإطار، أفاد معهد أبحاث معالجة البيانات الآلية (ADP) بأن التوظيف في القطاع الخاص الأمريكي ارتفع بمقدار 41 ألف وظيفة خلال شهر ديسمبر، مع زيادة في الأجور السنوية بنسبة 4.4%.

وجاء هذا الارتفاع في التوظيف عقب تراجع بنحو 29 ألف وظيفة خلال شهر نوفمبر، بعد تعديل القراءة السابقة التي كانت تشير إلى انخفاض قدره 32 ألف وظيفة، كما جاء رقم ديسمبر أقل قليلًا من توقعات السوق التي رجحت إضافة نحو 47 ألف وظيفة.

وفي تعليقها على نتائج التقرير، قالت الدكتورة نيلا ريتشاردسون، كبيرة الاقتصاديين في معهد ADP، إن المؤسسات الصغيرة تمكنت من التعافي من خسائر الوظائف التي سجلتها خلال نوفمبر، مع تحسن وتيرة التوظيف بنهاية العام، في حين لا يزال التوظيف لدى الشركات الكبرى يشهد تباطؤًا نسبيًا.

وبالنظر إلى تطورات الأسواق خلال الفترة المقبلة، يتجنب المتداولون تكوين مراكز استثمارية قوية قبل صدور بيانات اقتصادية أمريكية مؤثرة، من شأنها تحديد اتجاه الدولار الأمريكي وأسعار الذهب على المدى القريب. وتظل البيانات الاقتصادية الأمريكية، إلى جانب توقعات السياسة النقدية للاحتياطي الفيدرالي، فضلًا عن المخاطر الجيوسياسية، من أبرز العوامل المؤثرة في حركة الأسواق العالمية.

ولا يزال التوتر بين الولايات المتحدة وفنزويلا في صدارة المشهد الجيوسياسي العالمي، عقب عملية عسكرية أمريكية وُصفت بالحاسمة خلال عطلة نهاية الأسبوع، وأسفرت عن القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو والإطاحة به، ما زاد من حالة عدم اليقين في الأسواق العالمية.

وفي أحدث التطورات، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مساء الثلاثاء، أن فنزويلا ستقوم بتسليم ما بين 30 و50 مليون برميل من النفط إلى الولايات المتحدة بأسعار السوق، على أن تعود العائدات بالنفع على البلدين. وتعد فنزويلا صاحبة أكبر احتياطيات مؤكدة من النفط الخام في العالم، تُقدّر بنحو 303 مليارات برميل، ما يعكس الأهمية الاستراتيجية للمنطقة على الصعيدين الاقتصادي والجيوسياسي.

وفي سياق متصل، أسهم تجدد الاهتمام الاستراتيجي الأمريكي بجزيرة جرينلاند في تصعيد التوترات الجيوسياسية، حيث أعلن البيت الأبيض أن الرئيس دونالد ترامب ومستشاريه يناقشون مجموعة من الخيارات للاستحواذ على الجزيرة، مؤكدًا أن اللجوء إلى القوة العسكرية «يظل خيارًا مطروحًا»، وهو ما زاد من مخاوف الأسواق العالمية.

وعلى صعيد البيانات الاقتصادية، تشير المؤشرات الصادرة هذا الأسبوع إلى تباطؤ وتيرة النمو الاقتصادي في الولايات المتحدة، حيث أظهرت أحدث قراءات مؤشرات مديري المشتريات الصادرة عن «S&P Global» تراجع النشاط التجاري خلال شهر ديسمبر. فقد انخفض مؤشر مديري المشتريات الخدمي إلى 52.5 مقابل 54.1 في نوفمبر، كما تراجع المؤشر المركب إلى 52.7 مقارنة بـ54.2 خلال الشهر السابق.

وفي الوقت نفسه، ظل مؤشر مديري المشتريات التصنيعي الصادر عن معهد إدارة التوريد الأمريكي (ISM) في منطقة الانكماش عند مستوى 47.9، مقابل 48.2 في نوفمبر، ما يعكس استمرار الضغوط على القطاع الصناعي الأمريكي.

وفيما يتعلق بالسياسة النقدية، تتوقع الأسواق أن يقدم الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي على خفض أسعار الفائدة مرتين خلال العام الجاري، في ظل مؤشرات تباطؤ سوق العمل وتراجع معدلات التضخم. ومع ذلك، من المرجح أن يُبقي الفيدرالي على أسعار الفائدة دون تغيير خلال اجتماعه المقرر يومي 27 و28 يناير الجاري، على أن تلعب البيانات الاقتصادية المقبلة، ولا سيما تقرير الوظائف غير الزراعية (NFP) المنتظر صدوره يوم الجمعة، دورًا محوريًا في إعادة تشكيل توقعات السياسة النقدية خلال الفترة المقبلة.

وفي هذا السياق، توقع دومينيك شنايدر، رئيس قسم السلع وكبير مسؤولي الاستثمار في سوق الصرف الأجنبي لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ بإدارة الثروات في بنك «يو بي إس»، أن تسهم مشتريات البنوك المركزية، واتساع العجز المالي، وانخفاض أسعار الفائدة الأمريكية، إلى جانب استمرار المخاطر الجيوسياسية، في دفع أسعار الذهب نحو مستوى 5000 دولار للأوقية بحلول نهاية الربع الأول من العام الجاري.

ويواصل البنك المركزي الصيني تعزيز احتياطياته من الذهب، حيث مدد سلسلة مشترياته للشهر الرابع عشر على التوالي، في إشارة واضحة إلى استمرار الطلب الرسمي على المعدن النفيس، رغم وصول الأسعار إلى مستويات قياسية. ووفقًا لبيانات صدرت يوم الأربعاء ونقلتها وكالة «بلومبيرج»، ارتفعت مخزونات الذهب لدى بنك الشعب الصيني بنحو 30 ألف أوقية خلال الشهر الماضي.

وبذلك، يصل إجمالي مشتريات الصين منذ نوفمبر 2024، مع بداية دورة الشراء الحالية، إلى نحو 1.35 مليون أوقية، أي ما يعادل 42 طنًا. وشهد الذهب تقلبات سعرية حادة خلال الأسابيع الماضية، عقب تسجيله مستويات قياسية جديدة في خريف العام الماضي، إلا أنه حقق أفضل أداء سنوي له منذ عام 1979، مدفوعًا بمشتريات البنوك المركزية، وتصاعد التوترات الجيوسياسية، وزيادة عمليات التحوط ضد تراجع قيمة العملات والسندات السيادية.

وعلى مستوى البنوك المركزية عالميًا، واصل الطلب الرسمي على الذهب زخمه خلال شهر نوفمبر، حيث سجل صافي المشتريات نحو 45 طنًا، لترتفع المشتريات منذ بداية العام إلى نحو 297 طنًا، وفقًا لبيانات مجلس الذهب العالمي، مدفوعة بشكل رئيسي باستمرار إقبال بنوك الأسواق الناشئة على زيادة حيازاتها من المعدن النفيس.

وأظهرت البيانات تحسن وتيرة الشراء خلال الأشهر الأخيرة، في وقت تفاوتت فيه نسبة الذهب إلى إجمالي الاحتياطيات لدى أكبر المشترين، ما يعكس اختلاف السياسات النقدية واستراتيجيات إدارة الاحتياطيات بين الدول.

وسجل البنك الوطني البولندي حضورًا قويًا في السوق، بعدما اشترى 12 طنًا من الذهب خلال نوفمبر، لترتفع احتياطياته إلى 543 طنًا، تمثل نحو 28% من إجمالي الاحتياطيات، ليؤكد موقعه كأكبر مشترٍ رسمي للذهب منذ بداية العام.

كما واصل البنك المركزي البرازيلي عمليات الشراء للشهر الثالث على التوالي، مضيفًا 11 طنًا خلال نوفمبر، ليرتفع إجمالي مشترياته خلال الأشهر الثلاثة الماضية إلى 43 طنًا، وتصل احتياطياته إلى 172 طنًا، تمثل نحو 6% من إجمالي الاحتياطيات. وشملت قائمة المشترين خلال الشهر كلًا من أوزبكستان التي أضافت 10 أطنان، وكازاخستان بنحو 8 أطنان، إلى جانب قيرغيزستان والتشيك بواقع 2 طن لكل منهما، فضلًا عن الصين وإندونيسيا اللتين أضافتا طنًا واحدًا لكل دولة.

في المقابل، سجلت بعض البنوك المركزية صافي مبيعات محدودة، حيث باع البنك المركزي الأردني نحو 2 طن من الذهب، بينما خفّض مصرف قطر المركزي حيازاته بنحو طن واحد خلال شهر نوفمبر.

وفي سياق متصل، أعلن بنك تنزانيا أنه تمكن خلال الشهر نفسه من تجميع 15 طنًا من الذهب النقدي المكرر خلال السنة الأولى من برنامج الشراء المحلي، في إطار جهوده لتعزيز احتياطيات النقد الأجنبي ودعم الاستقرار المالي.

وعلى صعيد الأداء منذ بداية العام، واصل البنك الوطني البولندي تصدره قائمة أكبر المشترين الرسميين للذهب بإجمالي مشتريات بلغ 95 طنًا، أي ما يقرب من ضعف مشتريات كازاخستان التي جاءت في المرتبة الثانية بنحو 49 طنًا. ورغم أن إجمالي المشتريات المعلنة حتى نوفمبر جاء بوتيرة أبطأ مقارنة بالسنوات السابقة، فإن الطلب الرسمي على الذهب لا يزال قويًا نسبيًا.

ويعكس هذا التوجه استمرار اعتماد البنوك المركزية على الذهب كأصل استراتيجي للتحوط وتنويع الاحتياطيات، في ظل تصاعد المخاطر الجيوسياسية، وتقلبات الأسواق المالية، وحالة عدم اليقين التي تسيطر على المشهد الاقتصادي العالمي، بما يعزز الدور المحوري للذهب داخل النظام النقدي الدولي في المرحلة الراهنة.