- 01 يناير 2026
- / 4773
«آي صاغة»: الذهب في 2025… عام القرارات الكبرى التي صنعت واحدة من أقوى موجات الصعود في التاريخ
شهدت أسعار الذهب في السوق المحلية المصرية ارتفاعًا قويًا خلال عام 2025، مسجلة زيادة تقارب 56% على مدار العام، في حين حققت أسعار الذهب عالميًا قفزة سنوية تجاوزت 65%، في أكبر ارتفاع سنوي تشهده الأوقية منذ عام 1979، وفقًا للتقرير السنوي الصادر عن منصة «آي صاغة» المتخصصة في تداول الذهب والمجوهرات عبر الإنترنت.
وجاء هذا الصعود التاريخي مدعومًا بمزيج معقد من القرارات النقدية والمالية والسياسية التي أعادت رسم خريطة المخاطر في الاقتصاد العالمي، ودَفعت المستثمرين والمؤسسات المالية والبنوك المركزية إلى الاحتماء بالمعدن الأصفر، في ظل حالة غير مسبوقة من الضبابية الاقتصادية وعدم اليقين.
2090 جنيهًا زيادة في أسعار الذهب محليًا خلال 2025
قال سعيد إمبابي، المدير التنفيذي لمنصة «آي صاغة»، إن أسعار الذهب في السوق المحلية ارتفعت بنحو 2090 جنيهًا خلال تعاملات عام 2025، حيث افتتح جرام الذهب عيار 21، وهو الأكثر تداولًا في مصر، التعاملات عند مستوى 3740 جنيهًا، قبل أن يواصل الصعود مسجلًا أعلى مستوى تاريخي له عند 6100 جنيه في 28 ديسمبر، ثم اختتم تعاملات العام عند مستوى 5830 جنيهًا.
وعلى الصعيد العالمي، أوضح إمبابي أن أسعار الذهب في البورصة العالمية سجلت ارتفاعًا سنويًا بنحو 1694 دولارًا للأوقية خلال 2025، حيث بدأت التداولات عند مستوى 2624 دولارًا، ثم لامست أعلى مستوى تاريخي لها عند 4555 دولارًا للأوقية في 31 ديسمبر، قبل أن تُنهي تعاملات العام عند مستوى 4318 دولارًا للأوقية.
مكاسب قوية في ديسمبر تعزز الأداء السنوي
وأضاف المدير التنفيذي لمنصة «آي صاغة» أن شهر ديسمبر وحده شهد ارتفاعًا ملحوظًا في أسعار الذهب، حيث صعدت الأسعار محليًا بنسبة 3.2%، وبقيمة 180 جنيهًا لجرام الذهب عيار 21، الذي افتتح تداولات الشهر عند 5650 جنيهًا، واختتمها عند 5830 جنيهًا.
وفي الوقت نفسه، ارتفعت أسعار الذهب عالميًا خلال ديسمبر بنسبة تقارب 2.4%، وبقيمة 102 دولار للأوقية، حيث بدأت التداولات عند مستوى 4216 دولارًا، وأنهتها عند 4318 دولارًا.
أفضل أداء سنوي للذهب منذ 1979
حقق الذهب خلال عام 2025 أفضل أداء سنوي له منذ عام 1979، كما يُعد العام الثالث على التوالي الذي يسجل فيه المعدن النفيس مكاسب قوية، ما يعكس تحولًا جذريًا في سلوك الأسواق المالية العالمية، ونظرة المستثمرين إلى الذهب باعتباره أصلًا استراتيجيًا طويل الأجل، وليس مجرد ملاذ آمن مؤقت.
الذهب في 2025… حين صنعت القرارات الكبرى موجة صعود تاريخية
لم يكن الارتفاع الحاد في أسعار الذهب خلال 2025 ناتجًا عن عامل واحد أو مضاربات قصيرة الأجل، بل جاء نتيجة سلسلة متشابكة من القرارات النقدية والمالية والسياسية التي أعادت تشكيل بيئة المخاطر عالميًا، ودَفعت المستثمرين والبنوك المركزية إلى زيادة الاعتماد على الذهب وسط غياب الرؤية الواضحة للمستقبل الاقتصادي.
منذ بداية العام، تحرك الذهب في مسار صاعد تدريجي، قبل أن تتحول هذه الحركة إلى موجة قوية كسرت مستويات تاريخية متتالية، مدفوعة بحالة عامة من انعدام اليقين غذّتها قرارات كبرى صدرت عن مراكز صنع القرار المالي والسياسي حول العالم.
أولًا: الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي… سياسة الترقب بدل الحسم
كان التحول في خطاب وسياسات الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي أحد أبرز العوامل المحفزة لصعود الذهب خلال 2025. فعلى مدار العام، تجنب الفيدرالي تقديم مسار واضح لأسعار الفائدة، متمسكًا بسياسة “الانتظار والترقب”، في ظل تباطؤ النمو الاقتصادي، وتباين بيانات التضخم وسوق العمل.
هذا الغموض خلق حالة من القلق في الأسواق المالية، حيث بات من الصعب تسعير العائد الحقيقي للأصول، ومع تراجع العوائد الحقيقية على السندات، وجد الذهب بيئة مثالية للصعود، مستفيدًا من كونه أصلًا لا يرتبط بعائد ثابت، لكنه يحافظ على القيمة في أوقات الارتباك النقدي.
ثانيًا: مشتريات البنوك المركزية… الذهب بدل الدولار
شهد عام 2025 استمرارًا لتسارع مشتريات البنوك المركزية من الذهب، في تحول يُعد من أبرز ملامح النظام المالي العالمي الجديد. فقد واصلت بنوك مركزية كبرى، وعلى رأسها الصين وتركيا وعدد من الاقتصادات الناشئة، تعزيز احتياطياتها من الذهب على حساب الأصول المقومة بالدولار.
ولم يكن هذا التوجه استثماريًا بحتًا، بل قرارًا استراتيجيًا يعكس قلقًا متزايدًا من المخاطر الجيوسياسية، والعقوبات المالية، واستخدام الدولار كأداة ضغط سياسي، ما أدى إلى سحب كميات كبيرة من الذهب خارج السوق الحرة وتقليص المعروض، وهو ما وفّر دعمًا قويًا للأسعار.
ثالثًا: التوترات الجيوسياسية… قرارات تشعل المخاوف
لم تخلُ 2025 من قرارات سياسية ساهمت في تصعيد التوترات العالمية، سواء عبر ملفات إقليمية حساسة أو قرارات تجارية ورسوم جمركية أعادت شبح الحروب التجارية إلى الواجهة.
ووصفت وكالة «رويترز» المشهد مرارًا بأنه “بيئة مثالية للملاذات الآمنة”، حيث تحولت قرارات الحكومات إلى مصادر مباشرة للمخاطر بدلًا من أدوات لتهدئة الأسواق، وهو ما أعاد الذهب إلى دوره التاريخي كأداة تحوط رئيسية من الاضطرابات السياسية والاقتصادية.
رابعًا: الدولار تحت الضغط… حكم السوق لا قرار السياسة
خلال 2025، جاء ضعف الدولار الأمريكي نتيجة تقييم الأسواق أكثر من كونه قرارًا سياسيًا مباشرًا، في ظل اتساع العجز المالي الأمريكي، وتزايد المخاوف بشأن الدين العام، وتراجع الثقة في مسار السياسة النقدية.
وأشارت تحليلات «بلومبيرج» إلى أن تراجع العملة الأمريكية عزز من جاذبية الذهب لحائزي العملات الأخرى، وفتح الباب أمام طلب عالمي أوسع، لا سيما من آسيا والشرق الأوسط.
خامسًا: المستثمرون… الهروب من المخاطر
على مستوى المستثمرين، اتخذت المؤسسات وصناديق الاستثمار خلال 2025 قرارًا واضحًا بتقليل المخاطر وزيادة التحوط. وأظهرت بيانات «رويترز» تدفقات قوية نحو صناديق الذهب المتداولة، في تعبير صريح عن تراجع الثقة في استقرار الأسواق التقليدية، سواء الأسهم أو السندات.
ومع كل بيان اقتصادي متباين أو قرار غامض من بنك مركزي، ارتفعت حيازات الذهب باعتباره الأصل الوحيد القادر على الصمود خارج معادلات السياسة النقدية المباشرة.
ذهب صاعد وضبابية مستمرة
لم يكن ارتفاع أسعار الذهب في 2025 استثناءً تاريخيًا بقدر ما كان انعكاسًا لحالة عالمية مضطربة، تتسم بقرارات نقدية غير حاسمة، وسياسات مالية مثقلة بالديون، وتوترات جيوسياسية متصاعدة، وبنوك مركزية تعيد صياغة مفهوم الاحتياطي النقدي.
ويرى محللون أن الذهب حصل خلال 2025 على ما يشبه “تفويضًا عالميًا” بالعودة إلى صدارة الأصول الآمنة، مؤكدين أن رحلته الصعودية قد لا تكون انتهت بعد طالما استمرت إدارة الأزمات بدلًا من بناء اليقين.
توقعات الذهب في 2026… صعود مشروط وحذر مؤسسي
بعد عام استثنائي، دخل الذهب عام 2026 بزخم قوي، لكنه يواجه مرحلة تتسم بحذر أكبر من جانب المؤسسات المالية الكبرى. وتشير تقارير دولية إلى أن 2026 قد يكون عام تثبيت للاتجاه الصاعد أكثر من كونه عام قفزات حادة، إلا في حال حدوث صدمات اقتصادية أو جيوسياسية جديدة.
وتعتقد بنوك استثمارية كبرى، من بينها جولدمان ساكس وبنك أوف أمريكا وسوسيتيه جنرال، أن الذهب لم يبلغ ذروته بعد، مدعومًا باستمرار الطلب من البنوك المركزية، وبيئة فائدة منخفضة نسبيًا، وعدم قدرة الفيدرالي الأمريكي على تشديد السياسة النقدية بشكل كامل دون المخاطرة بتباطؤ اقتصادي أوسع.
في المقابل، تتبنى مؤسسات أوروبية كبرى رؤية أكثر تحفظًا، ترجح دخول الذهب مرحلة تماسك سعري عند مستويات مرتفعة، مع تسجيل قمم جديدة بشكل متقطع، خاصة خلال النصف الأول من العام.
العوامل الحاكمة لمسار الذهب في 2026
وفق التحليلات المؤسسية، سيتحدد مسار أسعار الذهب خلال 2026 بناءً على أربعة محاور رئيسية:
سياسة الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي ووضوح مسار الفائدة.
وتيرة مشتريات البنوك المركزية من الذهب.
أداء الدولار الأمريكي.
تطورات التوترات الجيوسياسية والاقتصادية عالميًا.
الذهب بين التحوط والاستثمار
من المتوقع أن يواصل الذهب في 2026 دوره كعنصر استراتيجي داخل المحافظ الاستثمارية، لا سيما لدى المؤسسات التي باتت تنظر إليه كبديل جزئي للسندات في بيئة تتسم بانخفاض العائد الحقيقي، وهو ما يعزز من احتمالات بقائه عند مستويات مرتفعة حتى مع أي تراجع مؤقت في حدة التوترات.