التقرير الأسبوعي: الأونصة تخسر 145 دولارًا في 4 أيام.. لماذا لم يهبط الذهب في مصر بالنسبة نفسها؟
آى صاغة 2270
شهدت أسواق الذهب العالمية أسبوعًا مضطربًا، بعدما هبطت الأونصة إلى ما دون 4000 دولار للمرة الأولى منذ منتصف يوليو، وسط موجة بيع قوية دفعتها إلى تسجيل أسوأ أداء أسبوعي منذ يونيو، وفق التغطيات المنشورة يوم 23 أكتوبر.
وبين قراءتي 19 و23 أكتوبر الواردتين في البيانات، تراجعت الأونصة من 4140.84 دولارًا إلى 3996.09 دولارًا، بخسارة بلغت 144.75 دولارًا، تعادل نحو 3.50%.
لكن السوق المصرية لم تتحرك بالنسبة نفسها؛ إذ ارتفع سعر جرام الذهب عيار 21 من 6270 إلى 6285 جنيهًا، بزيادة 15 جنيهًا، أو نحو 0.24%، وفق الأسعار المقدمة للتقرير.
وتكشف هذه المفارقة عن أهمية سعر الصرف في تسعير الذهب محليًا. فقد ارتفع الدولار من 53.96 جنيهًا في 19 أكتوبر إلى 55.35 جنيهًا في 22 أكتوبر، بزيادة تقارب 2.58%، ما ساهم نظريًا في الحد من أثر تراجع الأونصة على القيمة المقومة بالجنيه.
وجاء الهبوط العالمي تحت ضغط ارتفاع النفط وتجدد مخاوف التضخم، مع زيادة توقعات استمرار أسعار الفائدة الأمريكية المرتفعة واحتمالات رفعها في ديسمبر، إلى جانب عمليات بيع في الأسواق المالية زادت الضغوط على المعدن النفيس.
الخلاصة الأساسية: تراجع الأونصة لم ينتقل إلى السوق المصرية بالنسبة نفسها، لكن ذلك لا يعني أن الذهب المحلي منفصل عن الاتجاه العالمي؛ إذ يتوقف مقدار التأثير على حركة الدولار والفجوة بين السعر المحلي والقيمة النظرية، مع ضرورة مقارنة الأسعار في توقيتات متزامنة.
أولًا: الحدث الأبرز.. الأونصة تكسر حاجز 4000 دولار
كان هبوط الذهب دون مستوى 4000 دولار للأونصة أبرز تطورات الأسبوع، بعدما سجل المعدن مستويات لم يشهدها منذ منتصف يوليو، واتجه إلى تسجيل أكبر خسارة أسبوعية منذ يونيو.
وبحسب البيانات الواردة في التقرير، تحركت الأونصة كالتالي:
المؤشر السعر
الأونصة في 19 أكتوبر 4140.84 دولارًا
الأونصة في 22 أكتوبر 4024.84 دولارًا
الأونصة في 23 أكتوبر 3996.09 دولارًا
إجمالي التراجع بين 19 و23 أكتوبر 144.75 دولارًا
نسبة التراجع 3.50% تقريبًا
وتشير التغطية المنشورة يوم 23 أكتوبر إلى أن السعر الفوري هبط خلال التداولات إلى ما دون 4000 دولار، ووصل في إحدى القراءات إلى 3975.23 دولارًا، قبل أن يتعافى جزئيًا. كما تراجع الذهب بنحو 4% خلال الأسبوع وفق إحدى قراءات السوق، مع اختلاف النسبة تبعًا لتوقيت بداية المقارنة ونهايتها.
ويحمل كسر مستوى 4000 دولار أهمية نفسية وفنية؛ إذ قد يؤدي إلى زيادة حساسية المتعاملين تجاه مستويات الدعم التالية، ويشجع بعض المستثمرين على تقليص مراكزهم إذا استمرت الضغوط.
لكن اختراق مستوى سعري مهم لا يكفي وحده للحكم باستمرار الهبوط، إذ يظل الاتجاه مرهونًا بالتطورات الاقتصادية وحركة النفط والدولار والعوائد وتوقعات السياسة النقدية.
ثانيًا: لماذا هبط الذهب عالميًا بهذه القوة؟
1. النفط أشعل مخاوف التضخم من جديد
ارتفعت أسعار النفط خلال الأسبوع، ووصل خام برنت إلى أعلى مستوياته في أكثر من خمسة أشهر، وسط مخاوف من اضطراب الإمدادات بعد هجمات الحوثيين في السعودية.
وأعادت هذه التطورات المخاوف بشأن ارتفاع تكاليف الطاقة والنقل والإنتاج، بما قد يبطئ تراجع التضخم ويصعّب مهمة البنوك المركزية في تخفيف السياسة النقدية.
وتكمن المفارقة في أن التوترات الجيوسياسية قد تدعم الذهب باعتباره ملاذًا آمنًا، لكنها قد تضغط عليه أيضًا إذا أدت إلى ارتفاع النفط وتعزيز توقعات الفائدة المرتفعة.
وفي هذه المرحلة، بدا أن تأثير مخاوف التضخم والسياسة النقدية كان أقوى من الدعم الذي قد توفره المخاطر الجيوسياسية للذهب.
1. التضخم الأمريكي عزز توقعات الفائدة المرتفعة
أظهرت بيانات التضخم الأمريكية لشهر سبتمبر ارتفاع مؤشر أسعار المستهلكين بنسبة 0.6% على أساس شهري، مقابل 0.4% في أغسطس، فيما ارتفع التضخم السنوي إلى 3.7% من 3.4%.
كما ارتفع المؤشر الأساسي، الذي يستبعد الغذاء والطاقة، بنسبة 0.3% شهريًا، وبنحو 2.6% سنويًا.
وكان ارتفاع أسعار البنزين والطاقة من أبرز العوامل التي ساهمت في زيادة التضخم الشهري، ما أعاد المخاوف من أن يستمر الضغط على الأسعار لفترة أطول.
وتؤثر هذه البيانات على الذهب من خلال توقعات السياسة النقدية؛ فكلما تراجعت احتمالات خفض الفائدة أو ارتفعت احتمالات تشديدها، زادت جاذبية الأصول المدرة للعائد نسبيًا مقارنة بالذهب الذي لا يدر دخلًا دوريًا.
ومع ذلك، لا يعني ارتفاع التضخم بالضرورة هبوط الذهب في كل مرة؛ إذ تتحدد استجابة السوق وفق تأثير البيانات على الدولار والعوائد الحقيقية وتوقعات الفائدة.
1. رهانات رفع الفائدة في ديسمبر زادت الضغوط
تترقب الأسواق اجتماع الاحتياطي الفيدرالي يومي 27 و28 أكتوبر، وسط توقعات واسعة بتثبيت الفائدة في الاجتماع القريب، مع استمرار احتمالات رفعها في ديسمبر.
وأشارت تقديرات السوق المنشورة يوم 23 أكتوبر إلى أن احتمالات رفع الفائدة في اجتماع أكتوبر كانت محدودة، بينما ارتفعت احتمالات الزيادة في ديسمبر بصورة ملحوظة.
وتضغط هذه التوقعات على الذهب حتى قبل صدور أي قرار رسمي؛ لأن الأسواق تعيد تسعير الأصول وفق المسار المتوقع للفائدة، وليس القرارات المنفذة فقط.
ويظل قرار الفيدرالي وتوجهاته المستقبلية عاملًا رئيسيًا في تحديد ما إذا كان الذهب سيواصل الهبوط أو يستعيد بعض خسائره.
1. عمليات البيع في الأسواق المالية ضاعفت الضغط
لم يكن ارتفاع النفط وتوقعات الفائدة العاملين الوحيدين وراء الهبوط؛ فقد ساهمت خسائر أسهم التكنولوجيا في زيادة الضغوط على الذهب، مع لجوء بعض المستثمرين إلى تسييل أصول لتوفير السيولة وتغطية متطلبات الهامش.
وتوضح هذه الحركة أن الذهب، رغم مكانته كملاذ آمن على المدى الطويل، قد يتعرض للبيع خلال فترات الاضطراب المالي عندما يحتاج المستثمرون إلى السيولة أو تقليص المخاطر.
وبالتالي، فإن وصف الذهب بأنه ملاذ آمن لا يعني أنه يرتفع في جميع الأزمات أو أنه محصن من موجات البيع.
ثالثًا: سوق العمل الأمريكي.. عامل معاكس للضغوط
أظهرت بيانات سبتمبر إضافة 29 ألف وظيفة غير زراعية في الولايات المتحدة، مع ارتفاع معدل البطالة إلى 4.2%.
وتشير هذه الأرقام إلى تباطؤ نسبي في سوق العمل، وهو ما قد يدعم الذهب إذا دفع الاحتياطي الفيدرالي إلى توخي الحذر في تشديد السياسة النقدية.
لكن تأثير بيانات التوظيف لم يكن كافيًا لتعويض الضغوط الناتجة عن ارتفاع النفط ومخاوف التضخم وتوقعات الفائدة المرتفعة.
وتوضح هذه المفارقة أن سوق الذهب لا يتفاعل مع البيانات الاقتصادية كلٌّ على حدة؛ بل يوازن المستثمرون بين إشارات التضخم والنمو والتوظيف والسياسة النقدية، وقد تطغى مجموعة من العوامل على أخرى في فترة معينة.
رابعًا: الدولار أمام الجنيه.. لماذا لم ينتقل الهبوط العالمي بالكامل إلى مصر؟
تحرك الدولار، وفق البيانات المقدمة، من 53.96 جنيهًا في 19 أكتوبر إلى 55.35 جنيهًا في 22 أكتوبر، بزيادة تقارب 2.58%.
ويُعد سعر الصرف أحد أهم محددات القيمة النظرية للذهب في مصر؛ لأن سعر الأونصة العالمية مقوم بالدولار، ثم يُحوّل إلى الجنيه المصري وفق سعر الصرف المستخدم.
وعندما تنخفض الأونصة ويرتفع الدولار في الوقت نفسه، يتواجه تأثيران متعاكسان:
* انخفاض الأونصة يقلل القيمة النظرية للذهب بالجنيه.
* ارتفاع الدولار يزيد القيمة المقومة بالجنيه، فيحد من أثر الهبوط العالمي.
وبين قراءتي الأونصة الواردتين في التقرير، بلغ التراجع العالمي نحو 3.50%، بينما ارتفع الدولار بنحو 2.58% بين 19 و22 أكتوبر. ويشير ذلك إلى أن ارتفاع الدولار كان قادرًا نظريًا على امتصاص جزء من أثر الهبوط العالمي، لكن لا يمكن حساب الأثر الصافي بدقة من دون سعر صرف متزامن مع قراءة الأونصة في 23 أكتوبر.
وهنا يجب التمييز بين تأثير الدولار على القيمة النظرية وبين تأثيره الفعلي على السعر المتداول محليًا؛ فالسعر المحلي يتأثر أيضًا بفروق التسعير والتوقيتات والعرض والطلب الفعليين.
خامسًا: الذهب في مصر.. تماسك نسبي وسط موجة الهبوط العالمية
وفق البيانات المقدمة للتقرير، تحرك سعر عيار 21 خلال الفترة في النطاق التالي:
المؤشر السعر
أدنى سعر مذكور خلال الفترة 6250 جنيهًا
أعلى سعر مذكور خلال الفترة 6330 جنيهًا
السعر في بداية المقارنة 6270 جنيهًا
السعر في نهاية المقارنة 6285 جنيهًا
التغير بين سعري البداية والنهاية +15 جنيهًا
نسبة التغير +0.24%
ويظهر هذا الأداء تماسكًا نسبيًا مقارنة بالهبوط العالمي، لكنه لا يعني أن السعر المحلي لم يتأثر؛ فارتفاع الدولار حدّ نظريًا من انتقال الخسائر العالمية إلى السوق المصرية.
كما أن نطاق التداول بين 6250 و6330 جنيهًا يشير إلى وجود تذبذب خلال الفترة، حتى وإن كان التغير بين السعرين المحددين في بداية المقارنة ونهايتها محدودًا.
ولا يمكن الاستنتاج من هذه الأرقام وحدها أن الطلب المحلي ارتفع أو أن التجار احتفظوا بهوامش ربح أكبر؛ فهذه الاستنتاجات تحتاج إلى بيانات إضافية عن المعاملات الفعلية وكميات التداول، فضلًا عن توحيد توقيتات أسعار الأونصة والدولار والذهب المحلي.
سادسًا: الفجوة السعرية.. لماذا نحتاج إلى مراجعة بيانات 22 أكتوبر؟
تُحسب الفجوة السعرية من خلال مقارنة سعر الذهب المحلي بالقيمة النظرية المستنتجة من سعر الأونصة وسعر الدولار، مع مراعاة نسبة نقاء العيار.
وتشير البيانات المقدمة إلى فجوات سالبة خلال الأيام الأولى من الفترة، ثم فجوة موجبة قدرها 42.92 جنيهًا يوم 22 أكتوبر. لكن هذا الرقم لا يتوافق مع بعض الحسابات السابقة التي استخدمت أسعار الأونصة والدولار المعلنة للفترة نفسها.
لذلك، لا يصح اعتماد الفجوة الموجبة بوصفها دليلًا مؤكدًا على ارتفاع الطلب المحلي أو انخفاض المعروض أو زيادة هوامش التجار قبل مراجعة المدخلات.
ولإجراء مقارنة دقيقة، ينبغي استخدام سعر الأونصة وسعر الصرف والسعر المحلي في توقيت واحد، ثم حساب القيمة النظرية لعيار 21 وطرحها من السعر المحلي.
وحتى بعد التحقق من الفجوة، فإنها تظل مؤشرًا للمقارنة بين السعر المحلي والقيمة النظرية، وليست مقياسًا مباشرًا لحجم التداول أو ضمانًا لاتجاه السعر مستقبلًا.
سابعًا: أسعار الأعيرة الأخرى
بناءً على سعر عيار 21 البالغ 6285 جنيهًا للجرام في نهاية المقارنة، تكون الأسعار الحسابية التقريبية للأعيرة الأخرى كما يلي:
العيار السعر التقريبي للجرام
عيار 24 7183 جنيهًا
عيار 21 6285 جنيهًا
عيار 18 5387 جنيهًا
هذه الأسعار محسوبة تناسبيًا وفق نسبة نقاء كل عيار، ولا تشمل المصنعية أو الضرائب أو أي فروق محلية في التسعير.
ثامنًا: ما الذي قد يحرك الذهب خلال الأيام المقبلة؟
تتركز العوامل المؤثرة في ثلاثة محاور رئيسية:
1. النفط والتضخم: استمرار ارتفاع أسعار الطاقة قد يعزز توقعات بقاء الفائدة مرتفعة لفترة أطول، بما يضغط على الذهب عالميًا.
2. الفيدرالي الأمريكي: يترقب المستثمرون قرار أكتوبر وإشارات البنك بشأن الفائدة في ديسمبر. وأي تغير في توقعات السياسة النقدية قد يؤدي إلى تحركات سريعة في الذهب والدولار والعوائد.
3. الدولار في مصر: استمرار ارتفاع الدولار قد يحد من أثر أي هبوط إضافي للأونصة على السعر المحلي، لكنه لا يمنع انخفاض الذهب إذا كانت الضغوط العالمية قوية بما يكفي.
وبناءً على هذه المعطيات، يبدو الاتجاه قصير الأجل متقلبًا مع ضغوط هابطة عالميًا، مقابل تماسك نسبي محلي قد يتغير مع حركة الدولار والأونصة.
ولا يمكن الجزم باستمرار الهبوط أو الارتداد من مستوى معين اعتمادًا على أسبوع واحد. والأفضل تقييم الحركة من خلال متابعة الأونصة والدولار والفجوة السعرية، مع مراعاة الأفق الزمني للمستثمر وقدرته على تحمل التقلبات.
تعليق المهندس سعيد إمبابي، المدير التنفيذي لمنصة آي صاغة
قال المهندس سعيد إمبابي، المدير التنفيذي لمنصة آي صاغة، إن أسواق الذهب العالمية شهدت واحدة من أقوى موجات الهبوط الأسبوعية منذ يونيو، بعدما خسرت الأونصة نحو 145 دولارًا بين قراءتي 19 و23 أكتوبر، وهبطت خلال التداولات إلى ما دون مستوى 4000 دولار للمرة الأولى منذ منتصف يوليو.
وأوضح إمبابي أن «الهبوط لم يكن مجرد حركة تصحيحية عابرة في الأسعار، بل جاء نتيجة تغير واضح في حسابات الأسواق؛ فارتفاع النفط أعاد مخاوف التضخم إلى الواجهة، وعزز الرهانات على استمرار الفائدة الأمريكية المرتفعة وربما زيادتها في ديسمبر. وفي الوقت نفسه، زادت عمليات البيع في الأسواق المالية من الضغوط على الذهب، رغم استمرار التوترات الجيوسياسية».
وأضاف أن المشهد المصري اختلف نسبيًا عن الصورة العالمية، إذ تحرك عيار 21 من 6270 إلى 6285 جنيهًا وفق البيانات المتاحة، بينما فقدت الأونصة نحو 3.5% بين القراءتين المستخدمتين في المقارنة.
وأشار إلى أن «ارتفاع الدولار أمام الجنيه من مستويات تقل عن 54 جنيهًا إلى أكثر من 55 جنيهًا ساهم في امتصاص جانب من الهبوط العالمي. وهذه هي النقطة الأهم للمستثمر المصري: انخفاض الذهب بالدولار لا يعني أن سعره بالجنيه سينخفض بالنسبة نفسها، لأن سعر الصرف قد يحد من التراجع، لكنه لا يضمن منع الهبوط».
وأكد إمبابي أن ما حدث يوضح أن الذهب ليس محصنًا من الخسائر حتى في أوقات التوترات، خصوصًا عندما تتحول أزمة الطاقة إلى عامل يرفع توقعات التضخم والفائدة. وأضاف أن قراءة حركة الذهب محليًا تتطلب الجمع بين الأونصة وسعر الدولار، وعدم تفسير تغير السعر وحده باعتباره دليلًا على زيادة الطلب أو تراجعه.
واختتم بأن «الفترة المقبلة ستظل مرتبطة بتطورات النفط والتضخم وقرارات الاحتياطي الفيدرالي. وقد يتحرك الذهب محليًا بصورة مختلفة عن الشاشات العالمية إذا واصل الدولار الارتفاع، لكن هذا التباين ليس ضمانًا لاستمرار التماسك. لذلك، فإن الحكم الدقيق على السوق يتطلب متابعة الأسعار المتزامنة، لا الاعتماد على مؤشر واحد أو حركة يومية منفردة».