• / 2902

تشهد أسعار الذهب في مصر حالة من الاستقرار الظاهري خلال تعاملات الفترة الأخيرة، إلا أن هذا الاستقرار يخفي وراءه ضغوطًا قوية ومركبة تؤثر على حركة السوق، في ظل توازن دقيق بين المتغيرات الاقتصادية العالمية والتطورات الجيوسياسية المتسارعة، ما يجعل السوق المحلي في حالة ترقب حذر لاتجاهات الأسعار خلال المرحلة المقبلة.

وكشفت منصة «آي صاغة» لتداول الذهب والمجوهرات عبر الإنترنت عن تسجيل سعر جرام الذهب عيار 21 – وهو الأكثر تداولًا في السوق المصرية – نحو 7,150 جنيهًا، دون تسجيل أي تغير يُذكر بنسبة (0%) خلال فترة الرصد، بما يعكس حالة من الثبات السعري رغم التغيرات العالمية. كما سجل سعر جرام الذهب عيار 24 نحو 8,150 جنيهًا، بينما بلغ سعر جرام الذهب عيار 18 نحو 6,100 جنيه، مع استمرار الحفاظ على الفروق السعرية المعتادة بين الأعيرة المختلفة داخل السوق المحلي.

وعلى الصعيد العالمي، ارتفعت أسعار الأوقية بنسبة طفيفة بلغت نحو 0.75%، في إشارة إلى تحركات محدودة داخل نطاق ضيق، وهو ما لم ينعكس بشكل مباشر على الأسعار المحلية نتيجة عوامل داخلية مؤثرة.

من جانبه، أكد المهندس سعيد إمبابي، المدير التنفيذي لمنصة «آي صاغة»، أن السوق المحلي يمر بمرحلة يمكن وصفها بـ"الهدوء المضلل"، حيث تبدو الأسعار مستقرة على السطح، بينما تتحرك العوامل المؤثرة بشكل قوي في الخلفية، مشيرًا إلى أن التضخم الأمريكي المرتفع واستمرار السياسة النقدية المتشددة أصبحا العامل الأكثر تأثيرًا في تحديد اتجاه أسعار الذهب عالميًا، متجاوزين في تأثيرهما التوترات الجيوسياسية رغم تصاعدها خلال الفترة الأخيرة.

وأوضح إمبابي أن الفجوة السعرية بين السعر المحلي والسعر العادل شهدت اتساعًا ملحوظًا، حيث ارتفعت إلى نحو 83.6 جنيهًا بما يعادل 1.18%، مقارنة بنحو 62.6 جنيهًا (0.88%) في فترات سابقة، وهو ما يعكس ضعف الطلب داخل السوق المحلية، لافتًا إلى أن التجار يتجهون إلى زيادة هوامش التسعير لتعويض تباطؤ حركة البيع، الأمر الذي يؤدي إلى إبطاء انتقال تأثير الارتفاعات العالمية إلى الأسعار المحلية.

وأشار إلى أن استقرار سعر صرف الدولار في مصر بالقرب من مستويات تتراوح بين 52 و53 جنيهًا، وتحديدًا في نطاق 52.5 إلى 53.1 جنيهًا، ساهم في تثبيت أسعار الذهب والحد من التقلبات الحادة، إلا أنه في الوقت نفسه قلّص من فرص حدوث ارتفاعات قوية في الأسعار، مؤكدًا أن السوق يتحرك حاليًا وفق معادلة معقدة تجمع بين تحركات الدولار، وأسعار الفائدة العالمية، وحجم التدفقات الاستثمارية.

كما يعكس تراجع النشاط داخل السوق، وانخفاض عدد التحديثات السعرية اليومية، حالة من الترقب بين المتعاملين، انتظارًا لمؤشرات أوضح بشأن اتجاه السوق خلال الفترة المقبلة، في ظل تباين ملحوظ بين الأداء العالمي والمحلي، نتيجة ضعف الطلب واتساع الفجوة السعرية.

وعلى المستوى العالمي، سجلت أسعار الذهب ارتفاعًا محدودًا، حيث صعدت الأوقية من مستوى 4,740.95 دولارًا إلى 4,776.35 دولارًا، بنسبة زيادة تقترب من 0.75%، في تحركات تعكس حالة من التذبذب المحدود داخل نطاق سعري ضيق، وسط تأثيرات متباينة للعوامل الاقتصادية والجيوسياسية.

وجاءت هذه التحركات في ظل استمرار تداعيات التوترات بين الولايات المتحدة وإيران، والتي كانت قد دفعت أسعار النفط إلى تجاوز مستوى 100 دولار للبرميل في وقت سابق، قبل أن تتراجع نسبيًا مع تزايد التوقعات بتهدئة الأوضاع. ورغم ذلك، لم يسهم ارتفاع أسعار النفط في دعم الذهب كما هو معتاد، بل أدى إلى زيادة الضغوط التضخمية، حيث سجل معدل التضخم في الولايات المتحدة نحو 3.3% على أساس سنوي، مع ارتفاع أسعار البنزين بنسبة 21.2%، ما عزز من التوقعات باستمرار السياسة النقدية المتشددة لفترة أطول.

ويضع هذا المشهد الذهب تحت ضغوط مباشرة، باعتباره من الأصول التي لا تدر عائدًا، مقارنة بزيادة جاذبية الأصول المرتبطة بالدولار، خاصة في ظل ارتفاع أسعار الفائدة، وهو ما يحد من شهية المستثمرين تجاه المعدن الأصفر على المدى القصير.

وتشير التقديرات إلى تراجع احتمالات خفض أسعار الفائدة خلال الاجتماعات المقبلة، وهو ما يدعم قوة الدولار ويُضعف فرص صعود الذهب في الأجل القريب، خاصة بعد أن قرر الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي الإبقاء على أسعار الفائدة ضمن نطاق يتراوح بين 3.5% و3.75%، مع توقعات محدودة للغاية لأي خفض وشيك.

وفيما يتعلق بعوامل التأثير على السوق، تتمثل العوامل الداعمة لأسعار الذهب في استمرار التوترات الجيوسياسية، واستمرار مشتريات البنوك المركزية التي تتراوح بين 750 و850 طنًا سنويًا، إلى جانب استمرار معدلات التضخم المرتفعة عالميًا. وعلى الجانب الآخر، تشمل العوامل الضاغطة ثبات أسعار الفائدة الأمريكية، وقوة الدولار كملاذ استثماري، بالإضافة إلى اتساع الفجوة السعرية وضعف الطلب في السوق المحلية.

وتشير التوقعات إلى أن أسعار الذهب في مصر قد تتحرك خلال الفترة المقبلة في نطاق عرضي ضيق يميل إلى الاستقرار، لحين اتضاح اتجاه السياسة النقدية الأمريكية وتطورات الأوضاع الجيوسياسية، حيث يظل العامل الحاسم في تحديد المسار القادم هو قرارات الاحتياطي الفيدرالي، إذ إن أي تغيير في توجهات أسعار الفائدة قد يؤدي إلى إعادة تشكيل حركة السوق بشكل سريع، سواء نحو الصعود أو التراجع.